حسن الأمين

335

مستدركات أعيان الشيعة

وطبتم وأنتم أموات في أجداثكم ، الأجداث التي انطوت على أشرف ما تنطوي عليه الأجداث من شهامة ومروءة ونخوة . وإذا كان قد حال بيني وبينكم بعد الديار ، ثم المقابر التي احتوتكم وستحتويني ، فلن يحول شيء دون أن أردد ذكركم بالجميل وأنا حي ، وأن تردده هذه الأوراق على الدهر وأنا ميت . البحث والتأليف كنت خلال إقامتي في النباطية أغتنم بعض أوقات الفراغ فاكتب بعض البحوث التاريخية والأدبية وأنشرها في مجلة ( الرسالة ) القاهرية الأسبوعية ، وكانت يوم ذاك أوسع المجلات العربية انتشارا ، ومما نشرته فيها مناقشتي لعباس محمود العقاد في بعض ما ورد في كتابه ( عبقرية الامام ) ، وقد بلغ من دقة تلك المناقشة وصوابها وتهذيب عباراتها ، أن العقاد المعروف بعناده مع من ينتقده وشدته على من يناقشه ، وعدم تحمله لأية ملاحظة - أن العقاد هذا سلم لأول مرة في حياته الأدبية ، وربما لآخر مرة - سلم بصواب ما اعترضت به عليه في العدد التالي من مجلة الرسالة الصادر في 10 كانون الثاني 1943 ، وجعل عنوان رده ( خلاف يستحق الاختلاف ) ، وهذا العنوان وحده كاف بتسليم العقاد بصحة ملاحظاتي . وصدف أن نشرت الرسالة في نفس العدد الذي نشرت فيه مقالي - نشرت مقالا للعقاد يرد به على شيخ أزهري كان قد ناقشه في بعض ما ورد في كتابه ( الصديقة بنت الصديق ) ، فحمل العقاد على ذلك المناقش حملة شعواء بقلمه الجبار ، فقال بعض أصدقائي مخاطبا لي : انتظر دورك في العدد القادم ! . . . فرددت : لا أحسب ذلك واقعا ، لأني أظن أن العقاد إنما كان يهاجم منتقديه لأنه يستشعر من خلال كلامهم التعريض به والإقلال من شانه ، ويعتقد فيهم سوء النية لا حب الوصول إلى الحقيقة ، لذلك كان يعاملهم بما يعاملهم ، وأظنه هذه المرة سيلمس العكس ، وسترون . . . وصح ما توقعته فكان جواب العقاد منصفا كل الإنصاف . . . وواصلت وأنا في بغداد النشر في الرسالة وفي الصحف العراقية ومجلة العرفان اللبنانية واستمرت حياتي الجديدة في بغداد أربع سنين دراسية : رأيت بعدها أن علي أن لا أفارق والدي بعد أن بلغ تلك السن العالية وبدأ الضعف يتسرب إلى جسمه ، فلزمته معاونا له في إعداد موسوعته الكبرى ( أعيان الشيعة ) حتى توفي بعد سنتين ( سنة 1371 - 1952 ) . [ الاتصراف ] الانصراف إلى البحث والتأليف ألقت وفاة والدي علي عبئا ثقيلا ، فقد وجدت أمامي موسوعة ( أعيان الشيعة ) وقد وصل فيها الوالد إلى نهاية حرف السين في خمسة وثلاثين جزءا وترك بقية المواد مسودات أكثرها مشوش ، وبعض التراجم لم يكتمل ، وبعضها لم يكتب أصلا ، فعكفت على تنسيق المسودات وضمها بعضها إلى بعض وإلى إكمال ما لم يكتمل من الترجمات ، وكتابة ما لم يكتب منها . وبعد كفاح أكثر من أربع سنين نشرت الجزء السادس والثلاثين من ( أعيان الشيعة ) مبدوءا بحرف الشين ، وكان المفترض أن يتواصل السير مطردا ، ولكنه كان كثير التعثر لما يعترضه من الصعوبات المالية ، وظللت أكافح وأناضل حتى كمل ( أعيان الشيعة ) . ثم خرج بعد ذلك بطبعته الحديثة الأنيقة . وكنت مع ذلك عاكفا على مواصلة البحوث التاريخية متخذا من مجلة ( العربي ) الكويتية أوسع المجلات العربية انتشارا ، مجالا لقلمي مظهرا خفايا التاريخ الإسلامي ومصححا كثيرا من الأغلاط الشائعة التي هي على عكس ما اشتهرت به ، متناولا بعض البحوث التي تنشر بما فيها من الأضاليل ، بالنقد والنقض ، وظل الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير ( العربي ) يحثني على المتابعة إذا استشعر مني تباطؤا ، إلى أن توفي الدكتور أحمد زكي وقامت الأحداث اللبنانية سنة 1957 وانقطع خروج الرسائل البريدية من لبنان طيلة سنتين كاملتين فانقطعت صلتي بمجلة ( العربي ) . كما أخرجت كتاب ( الغزو المغولي ) وهو أول دراسة مستوفاة لتلك الأحداث التاريخية الرهيبة حوى من التفاصيل والايضاحات والتصحيحات ما جعله من أوسع المراجع للاطلاع على عصر الطاغيتين جنكيز وحفيده هولاكو . كما أصدرت ( الموسوعة الإسلامية ) وقد أردت منها أن تكون مرجعا موجزا يسهل الرجوع إليه سواء لطالب العلم وللعالم والباحث . وقد عنيت بتدوين رحلاتي فأخرجت من ذلك كتابا سميته ( من بلد إلى بلد ) . واهتممت بتاريخ ( جبل عامل ) الأدبي فأخرجت في هذا الموضوع كتاب باسم ( عصر حمد المحمود والحياة الشعرية في جبل عامل ) . كما أن لي ديوانا شعريا لا يزال مخطوطا . دائرة المعارف الإسلامية الشيعية على أن أهم منجزاتي هو إصدار دائرة المعارف الإسلامية الشيعية التي كان الدافع لاصدارها هو قراءاتي في ( دائرة المعارف الإسلامية ) التي كتبها المستشرقون بعدة لغات أجنبية ثم ترجمها المصريون إلى اللغة العربية ، فقد رأيت في دائرة المعارف هذه من الأخطاء الفظيعة التي كان الدافع إليها سوء