حسن الأمين
326
مستدركات أعيان الشيعة
القافلة وساقوا الجميع إلى السجن بمن فيهم اللبنانيون سائقوا السيارات التي كانت تقل اليهود . وبكر الضابط إلى منزلي ليخبرني بما جرى وليقول أنه كان عند حسن ظني فنفذ جميع تعليماتي . ومن العجيب أنه لم يكد الضابط يخرج حتى فوجئت وأنا على باب منزلي برجلين غريبين كانا على وشك الدخول علي إلى المنزل ، فتقدم أحدهما وعرف بنفسه بأنه صاحب فندق شهير في بحمدون وقال أن رفيقه عراقي ، فحسبت الرجل العراقي ممن سمع بي أيام إقامتي في العراق وأنه جاء يزورني ، إذ كثيرا ما كنت أسعد بزيارة بعض العراقيين ممن عرفتهم في العراق وممن لم أعرفهم ، فحسبت القادم واحدا منهم فهممت بالعودة إلى المنزل ، ولكنني شعرت بان صاحب الفندق ورفيقه مرتبكين جدا وأنهما يحاولان الكلام ، ولا أدري كيف أحسست في الحال بان الأمر يتعلق بالقافلة المقبوض عليها ، فاستفسرتهما فاعترفا بذلك . ولوح الفندقي بالمال فطردتهما طردا قبيحا . والذي حيرني هو أن القافلة قبض عليها حول انتصاف الليل ، فكيف بلغ الخبر لليهودي في الفندق وكيف استطاع هو والفندقي الحضور خلال هذه المدة القصيرة . فأدركت خطر الشبكة الصهيونية وامتداد جذورها وتنظيم أمورها التنظيم الرهيب . ومضيت إلى المحكمة فوجدت أمامي ملف القضية وكان الضابط قد نظمه وتركه بتصرفي . ولم أكد أبدأ بقراءته حتى طرق الباب ودخل علي صديق حميم ، فعجبت من دخوله ، وكانت عادتي منع موظفي المحكمة أن لا يسمحوا بدخول أحد علي صباحا ، أيا كان طالب الاذن بالدخول ، وذلك أني علمت بان بعض محترفي الوجاهة في القرى كانوا يوهمون المتداعين بأنهم يستطيعون التوسط لهم عندي في دعاواهم ، فكانوا يغتنمون فرصة وجودي في الصباح قبل خروجي إلى كرسي الحكم فيدخلون علي ولا يتكلمون بشيء سوى المجاملات والاستفسار عن الصحة والراحة وما أشبه ذلك حتى إنهم لا يجلسون بل أن الواحد منهم يتكلم بمثل هذا الكلام ثم يمضي مسرعا ، فيقابل أحد المتداعيين ويطمئنه بأنه توسط لدي في قضيته فان جاء الحكم لصالحه أوهمه بان ذلك كان نتيجة توسطه ، وإن لم يجيء لصالحه قال له بان القضية صعبة جدا . ولقد رابني دخول هؤلاء علي في الصباح وبعد التحري علمت الحقيقة فمنعت أيا كان من الدخول علي في الصباح ، لذلك بدوت ممتعضا من دخول هذا الصديق ، فقال أنه وجد صعوبة في الدخول علي وأن الموظفين لم يسمحوا له بالدخول إلا بعد أن أقنعهم بأنه ذاهب إلى دمشق وإني ربما رغبت بان أوصيه بشيء لوالدي . ثم دخل في الموضوع بدون مقدمات وقال بأنه مفوض بان يدفع لي مبلغا ضخما حدده ، وأن هذا المبلغ قابل للزيادة فيما إذا تساهلت في قضية اليهود ، فطردته شر الطرد . وقبل الإفاضة في الحديث عما جرى ، لا بد لي من أن أوضح للقارئ أن أي تساهل في شأنهم لا يخشى معه من أية مسؤولية . وإني لو أطلقتهم في الحال وحددت يوما يحضرون فيه جلسة محاكمتهم ، لما كان في ذلك أي مؤاخذة ، وإن أردت أن اتشدد قليلا فاطلقهم بكفالة كان ذلك صحيحا أيضا . ومع رغبتي في التشديد عليهم كنت أعلم أن إمكانية هذه الرغبة محدودة جدا ، وأني لو حكمتهم بأقصى العقوبة وهو ثلاثة أشهر ومائة وخمسين ليرة لبنانية على كل واحد منهم لأمكنهم استئناف الحكم ، وبذلك يخرجون عن يدي ، وكنت واثقا أن محكمة الاستئناف ستطلقهم بمجرد وصولهم إليها . لذلك أردت أن أستعمل أقصى ما يسمح به لي القانون من التشديد عليهم قبل أن يطلق غيري سراحهم ، وكانت وسيلتي الوحيدة لذلك هي أن أقرر محاكمتهم موقوفين فيبقون في السجن حتى يوم محاكمتهم والحكم عليهم ، وبعد ذلك فليفعل بهم غيري ما يشاء . وكما دهشت لسرعة وصول الخبر إلى ذويهم في بحمدون دهشت لسرعة اهتدائهم إلى اسم صديقي النباطي واختياره هو بالذات للتوسط لدي . وأدركت أن الشبكة الصهيونية ستتسع وتمتد ولن تتركني هادئا لحظة واحدة ، لذلك أسرعت في الحال إلى الاتصال هاتفيا بالمدعي العام في صيدا فيكتور عيسى ولم يكن مع الأسف ممن يثيرهم ذكر اليهود والصهيونية ، لذلك لم آت على ذكر هذا الاسم ، بل أثرت في نفسه المنطق القانوني فقط فقلت له أننا في منطقة الحدود التي يكثر فيها تهريب الناس إلى الخارج ، وأن تحت يدي الآن قافلة كانت تحاول اجتياز الحدود تهريبا وإني رأيت أن أتشدد مع أفرادها فقررت محاكمتهم ومحاكمة أدلائهم وسائقي السيارات موقوفين فهل أنت موافق على ذلك ؟ . فقال نعم ما تصنع وضروري أن تتشدد في الموضوع . سألته هذا السؤال وسمعت منه هذا الجواب وأنا أعلم علم اليقين بأنه بعد أيام سيكون في طليعة من يطالبني بالتساهل معهم ! . . ولم يمض يومان على توقيفهم حتى انهالت علي التدخلات من كل جانب وجاءتني الوساطات والبطاقات والرسائل من بيروت ممن لم يكن يخطر ببالي أن يتوسطوا في مثل هذه الأمور ، بل في غيرها من الأمور ، واشتد الضغط من كل ناحية . وكنت في كل يوم أزداد علما بمدى امتداد الأخطبوط الصهيوني ومدى أحكام أمره في كل ناحية . وفي اليوم الخامس من توقيفهم صح ما توقعته فاتصل بي مدعي عام صيدا هاتفيا وكلمني بشيء من الخجل طالبا إلي التساهل وإطلاق سبيل الموقوفين بكفالة ! . . فأجبته بكل هدوء باني لا أرى ذلك وسأحاكمهم موقوفين . . . ومضى يومان آخران كان الضغط فيهما لم ينقطع ، وإذا بالمدعي العام يعاود الاتصال بي مصرا على التساهل ، وهنا تركت هدوئي وتكلمت بكثير من الصخب وقلت له : ليس معنى اتصالي بك من قبل أني مقيد برأيك ، وقد أبديت رأيك أولا ثم بدلته ثانيا ، وأنا لست ملزما بالعمل بالرأي الثاني . فأجابني بكل صراحة : أن بيروت تضغط علي لأكلمك وأنا أفعل بناء على ضغطها ، ولم أساله عمن يعني ببيروت ، بل قلت له : أنني غير مستعد للإصغاء لهذا الضغط ، وأقفلت سماعة الهاتف .