حسن الأمين

324

مستدركات أعيان الشيعة

الموقف ليس منكرا ليصح تحليفه اليمين ، لذلك كانوا لا يبالون بان يحلفوا يمين الشهادة ، ثم يشهدوا بما يشاؤن مستهينين بشهادة الزور ، ومن يستهين بشهادة الزور لا تهمه تلك اليمين . وبدأ . أحد الشهود يؤدي شهادة خطرة ستؤدي إذا كانت كاذبة إلى اتهام بريئين تهما جنائية كبيرة . وكنت شبه موقن بأنه يشهد زورا فاقترحت على المدعي العام وعلى قاضي التحقيق بان يوقفا الشاهد عن إكمال شهادته ، وأن يتركا لي تحليفه يمينا خاصة يكمل بعدها شهادته فوافقا على ذلك . فقلت له قل : إني بريء من الله ورسوله محمد بن عبد الله ومن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وباقي الأئمة الاثني عشر إذا كان ما أشهد به غير صحيح . فبدا عليه الاضطراب والتململ والتردد ، ولما رأى المدعي العام وقاضي التحقيق ما بدا عليه أصرا بان يردد ما أقوله له ، ففعل . ثم ظهر التراجع واضحا فيما يدلي به . وبعد ذلك صار المدعي العام وقاضي التحقيق بعد أن يحلفا الشاهد اليمين المعتادة يطلبان إلي أن أحلفه اليمين الخاصة . وهذا نظير ما ذكره محمد سيرجية عما جرى له عندما كان قاضيا للتحقيق في أدلب حينما شكك بشهادة الشهود في إحدى القضايا فسال أحد العارفين بأحوالهم قائلا له : كيف تجرأ الشهود على حلف اليمين الكاذبة أمامي ، فكان جواب المسؤول : « إحنا البدو نعتبر أن الحكومة عدوة لنا وقد جرى العرف عندنا على جواز الحلف كذبا أمام الأعداء وهم موظفو الحكومة ، ولو كان ذلك على القرآن العظيم ، فإذا شئت أن تكتشف الحقيقة فيجب عليك أن تحلف الشهود اليمين التي يقدسونها وبالطريقة التي تعارفوا عليها . وفي هذه الحالة يجب أن يحلفوا أمامي بصفتي زعيم عشيرتهم اليمين التالية : » وحق العود والرب المعبود وسليمان بن داود اللي صبغ العبيد واللي لين الحديد واللي رفع السما من غير عمود « . ويقول القاضي سيرجية أنه فعل ما أشار به زعيم العشيرة فذكر الشهود عند ذلك الحقيقة ورجعوا عن شهاداتهم السابقة . خلافات القرى وكانت إحدى القرى مشهورة بنزاعات أهلها المنقسمين إلى أسرتين متنافستين ، وكانت الدعاوي بينهم لا تنقطع ، وقل أن يخلو أسبوع دون أن يكون لدى المحكمة دعوى من تلك القرية . وجاءنا يوما أن شجارا عنيفا عاما حدث فيها اشترك فيه جميع رجال الأسرتين وأدى إلى جرحى كثيرين ، فذهبت ومعي ضابط الدرك وبدأت بإجراء التحقيق ، ثم أمرت بتوقيف كل من ورد ذكره في التحقيق وفي الطليعة رئيسا الأسرتين ، وشمل التوقيف معظم رجال الأسرتين ، ولم أستثن من التوقيف إلا الشيوخ وسقنا الجميع إلى سجن النباطية وكان عبارة عن غرفة واحدة . وبعد أن صار الجميع في السجن قلت لهم : لن تخرجوا من هنا إلا متصالحين ، فاصروا على عدائهم أسبوعا واحدا ، ولما ضاق بهم الأمر في السجن أخذوا يتعاتبون ثم انتهى بهم الأمر إلى المصالحة التامة ، فأرسلوا إلي أن تم الصلح بيننا فافرجت عنهم ، ومنذ تلك الحادثة لم نعد نسمع شيئا عن خلافاتهم وانقطعت دعاواهم عن المحكمة . مبدأ وطني وكان من مشاكلي في المحكمة ، شكل عقائدي لا قضائي ، هو أننا كنا في ذلك الوقت لا نؤمن بالكيان اللبناني ، وكنا نرى أن منطقتنا ( جبل عامل ) قد ألحقت به غصبا وبالقوة الفرنسية ، وكانت أهدافنا الوحدة السورية في المرحلة الأولى ، ثم الوحدة العربية في المرحلة الثانية . لذلك لم نكن نقر تسمية جبل عامل باسم ( لبنان الجنوبي ) أو ( الجنوب ) باعتباره جنوب لبنان ، ونرى أن كلمة ( الجنوب ) تعني عندنا جنوب الجزيرة العربية أي اليمن . وعند ما توليت أمر محكمة النباطية كان لا بد لي من أن أرسل بين الوقت والآخر مذكرات إلى المدعي العام الذي كان لقبه ( مدعي عام لبنان الجنوبي ) أو إلى غيره من الدوائر التي كانت تحمل كلها صفة ( لبنان الجنوبي ) أو ( الجنوب ) . وكان مما لا يتفق مع مبادئي الوطنية أن أعترف باسم ( لبنان الجنوبي ) أو ( الجنوب ) اسما لجبل عامل وأن أسجل هذا الاعتراف على أوراق رسمية موقعة مني . ولم يطل أمر إيجاد الحل ، فكانت رسائلي الموجهة إلى المدعي العام تصفه بهذه الصف : ( مدعي عام صيدا ) ، وكذلك الموجهة إلى غيره من الدوائر الرسمية . ولم ينتبه أحد إلى ذلك وظل الأمر مستمرا حتى تركت محكمة النباطية . ثم عدنا بعد ذلك نؤمن بلبنان العربي المنضم إلى الجامعة العربية ، وإن ظللت حتى الساعة أرفض استبدال اسم ( الجنوب ) باسم ( جبل عامل ) ، وقد عبرت عن هذا الرفض في كثير مما كتبته في الصحف ، وليس لهذا الرفض علاقة بالكيان اللبناني ، بل هو حرص مني على هذا الاسم التاريخي الذي عاش على الزمن منارة من منارات العلم والأدب على أنه كان لي في هذا الموضوع مشكل آخر ، فقد كنت أبعث بمقالات إلى مجلة الرسالة المصرية ، ومن الطبيعي أن أوقع تلك المقالات مضيفا إلى التوقيع اسم البلد الذي أقيم فيه وهو ( النباطية ) . وقد كان اسم ( النباطية ) وحدها لا يعني شيئا لقراء الرسالة خارج لبنان ، فلا بد في التعريف بها من ذكر اسم القطر الكائنة فيه ، وقد كان محرما عندي أن أذكر النباطية مضافة إلى لبنان ، وفكرت طويلا في هذا المشكل ، وأذكر أن المقال الأول المعد لارساله إلى مجلة الرسالة بقي مطويا عندي أكثر من شهر لأجد الحل . وأخيرا جازفت بان ذكرت النباطية مقرونة باسم ( بلاد الشام ) . ولم ينتبه أحد من ( الرسميين ) لذلك لأن هؤلاء ليسوا من قراء مجلة الرسالة . من الأحكام ومن طرائف الأحكام القضائية التي أصدرتها الحكم التالي :