حسن الأمين

321

مستدركات أعيان الشيعة

لأكتبهما وأنا خجل كل الخجل ، طالبا من القارئ الوقور أن يقدر ظروفنا يوم ذاك . . . وجئت ( النباطية ) التي تكاد تعتبر قاعدة جبل عامل ، وإذا بي وجها لوجه أمام مشاكل سخيفة وقضايا تافهة هي شغل الناس الشاغل ، وإذا علي أن أنغمر في هذه المشاكل وأنشغل في هذه القضايا ، وإذا هي عملي اليومي ليلا نهارا ، نهارا بسماع أقوال أصحابها ، وليلا بتدوين الأحكام . وإذا بقلمي الذي اعتاد أن يدون خواطري وأفكاري ودراساتي ، يدون ما لا صلة له بذلك ، يدون نتيجة الخصام على الأرض والتقاتل في القرية ، والتشاكس بين المتزعمين . وإذا بي لا أجد فسحة لقراءة كتاب في التاريخ وبحث في الأدب وقصيدة من الشعر ، وإذا علي بدلا من ذلك أن أقرأ الكتب الجافة والمجلات السمجة : كتب القوانين ، ومجلات أحكام المحاكم . فضاقت نفسي بذلك . لا سيما وأن منطقة النباطية كانت مجالا لتنافس ثلاث أسر متنافسة على وجاهة البلاد ومتزاحمة على مقاعدها النيابية ، وكان لكل أسرة أنصارها المتصارعون يوميا والمتعادون دائما والمتقاتلون أسبوعيا . دعاوى طريفة وكان الأمر لا يخلو أحيانا من دعاوى طريفة وأخرى مضحكة . فمن ذلك دعوى خلاصتها أن عاملا يشتغل في حيفا أرسل مع أحد أبناء بلدته ( سترة ) لأخيه الموجود في البلدة والذي كان هو الآخر يشتغل في حيفا ، وقد رأى ناقل السترة أن يتجمل بها في القرية قبل أن يسلمها لصاحبها فلبسها وصار يخرج بها وعرفها الناس عليه وفيهم المرسلة إليه . وبعد شهر أوصلها إلى صاحبها ، فلما رآها عرف بها ( السترة ) الملبوسة من المرسلة معه فأقام عليه دعوى يطالبه بتعويض عن الأيام التي لبس بها السترة ، وكان لا بد من تعيين جلسة للنظر بالدعوى ، فلما رأيتها أمامي حسبت أن الباعث عليها غضب فوري لا يلبث أن يزول فيرجع المدعي عن دعواه ، لذلك ابتدأت بها ووجهت إلى المدعى عليه كلمة تأنيب على تصرفه بما ليس له ، وحسبت أن في ذلك ما يكفي لرضا المدعي فينتهي الأمر . ولكن تبين أن المدعي جاد كل الجد في دعواه وأنه قد سمى شهوده في حال إنكار المدعى عليه استعمال ( السترة ) ، ولم تفد كل محاولاتي في رجوعه عن دعواه . وطال الأخذ والرد ، وأمامنا سيل من الدعاوي علينا إنهاؤها . وكان علينا للسير في الدعوى أن نستدعي الشهود وأن نعين خبيرا يحدد ما يستحقه المدعي من تعويض ، وكان ذلك أمرا مضحكا . وثار غضبي بشكل لم أعهده في حياتي ، لا سيما على منصة القضاء التي كنت أتغلب فيها على كل ما يثير الغضب خوفا من تصرف يبعثه الغضب ، ففتحت في الحال تحقيقا سالت فيه المدعى عليه هل سافرت إلى فلسطين بجواز سفر فقال : لا . وسالت المدعي : ألم تسافر قبل اليوم إلى فلسطين ؟ فقال سافرت أكثر من مرة . فقلت : هل كان معك جواز سفر في آخر مرة ؟ فقال : لا . وبذلك يجب محاكمتهما بتهمة اجتياز الحدود بصورة غير قانونية . فقلت للمتداعيين انتظرا إلى ما بعد انتهاء الفصل بالدعاوى لإكمال التحقيق معكما ، فانتظرا . ولما انتهيت من الدعاوي ثابت إلي نفسي وتذكرت أن الأمر سينتهي بكل منهما إلى حبس شهر ودفع غرامة خمسين ليرة بعد إحالة دعوى أحدهما على محكمة بنت جبيل لأنه اجتاز الحدود من منطقتها ، ودعوى الآخر على محكمة مرجعيون . وكان ما سجل في المحضر قد سجل ولا يمكن تبديله ، فأصبح همي الآن إنقاذهما من السجن والغرامة ، وبعد تفكير قليل رأيت أن أجعل تاريخ اجتيازهما الحدود في زمن يشمله العفو الذي كان قد صدر قبل مدة . وفي أثناء ذلك لقيا من أفهمهما ما سيلقيان من السجن والغرامة ، فلما دخلا علي الواحد بعد الآخر ، قال المدعي : لقد تنازلت عن الدعوى ، وقال المدعى عليه إني مستعد أن أدفع التعويض . ولكن كان ما كتب قد كتب . ولما سالت كلا منهما عن تاريخ عبوره الحدود حدد التاريخ الصحيح ، وهذا التاريخ لم يكن مما يشمله العفو . فقلت : لا ، إنك عبرتها بالتأريخ الفلاني . وسجلنا ذلك . ولم يسعهما الاعتراض ، وهما لا يعلمان السر في تغيير التاريخ ، وربما حسباه إمعانا في أذاهما . ومن طرائف دعاوى الاختلاف على الإرث هذه الدعوى التي تريك مدى ثروات الفلاحين وقيمة ما يتركونه من تركات يتنازع عليها بعدهم الورثة : فقد أقامت فاطمة مدلج دعوى على مواطنتها عليا حسن من قرية كفر رمان تطالبها فيها بحصتها من مخلفات زوجهما المشترك يوسف أحمد حمزة . ومن العجيب أن هذا الزوج الذي سترى مقدار ما خلفه من ثروة لم يكن قانعا بزوجة واحدة ، بل كان له زوجتان .