حسن الأمين

319

مستدركات أعيان الشيعة

خليا من هموم المطعم والمسكن والملبس . . . التخلي عن ذلك إلى المجهول . . . وقد كان شبح الفقر الذي ظل يلاحقه منذ ولد إلى هذه الساعة ، كان هذا الشبح يلوح له في الأفق القريب والبعيد فيرتجف رعبا منه فينهار كل طموحه . وتخرج غانم الدباغ من دار المعلمين الريفية وعين معلما في قرية من قرى الموصل وراح يتناول الدنانير الخمسة في آخر كل شهر ، وتركت أنا العراق في المرة الأولى ، ثم عدت إليه بعد سنتين . وكان اسم غانم الدباغ لم يفارق مخيلتي ، فكان أول ما فكرت به أن أعرف مصير هذا الكاتب المبدع ، وكان كل ما أعرفه عنه أنه يعيش في قرية من قرى الموصل ، ولكن لا أعرف في أي قرية هو . فأرسلت له رسالة جعلت عنوانها باسم مدير معارف الموصل ورجوته فيها أن يتفضل بإرسالها إلى صاحبها ، ففعل ، وجاءني جوانب غانم ، فإذا هو في قرية اسمها ( الموالي ) ، وأن لقبه صار معلم أول ، بعد أن كان مجرد معلم . وأنني أنشر هنا نص هذه الرسالة لما فيها من دلالات وذكريات : الموالي ( من قرى الموصل ) في 31 / 1 / 1947 أستاذي : تحية طيبة . حمل إلي البريد رسالتك وأنا في شوق لها ، وحملت لي سطورها هذا الخط الحبيب إلى نفسي والذي كثيرا ما هداني إلى محجة الصواب أيام الدراسة . . . وكيف لا يهفو قلبي إلى ذكراك وهي عاطرة في ذهني كعطر الأنسام ، وشهد الله أن ضميري ليحمل آلاما ثقالا من هذا الذي قد لا يكون عقوقا ، ولكنه نوع من الإهمال الذي يسيطر على مجرى حياتي في شتى صورها وألوانها . . . فليس غيابك أمدا خارج العراق ورجوعك إليه ، ولحاقي وراء خبز الحياة في أطراف الصحاري ، ليس كل هذا قد محا الصورة الهادئة الوديعة المستقرة في ذاكرتي عنك . . لا والله ، وليشهد قلمي المضطرب الآن ، بين يدي أنه خط لك رسائل ولكن لأقرأها أنا فقط . . . وحياتي ! ؟ حياتي في هذه البقعة المقفرة ! ؟ أنها فراغ هائل عميق وجسد يتهافت على بعضه ، ونفس حائرة في طواياها بين الضجر والألم وقد خلقت منها المقادير حلقة مفرغة لا تستقر على حال من الهدوء والطمأنينة ، وأيام الصبا والشباب تذهب بها دورة الزمان المجنونة نحو الفناء والاضمحلال لتستقر بها في ظلمات من الحيرة المبهمة والقلق الصامت المكتوم ! . لا يؤنسني فيها إلا ألحان المزمار . . . فهذا أعرابي يناجي صاحبته على أنغامه والقرية نائمة على الظلام . . إن هذا الصوت الذي ينساب في أنغام ساذجة ليشجيني كما يؤلمني أنه يفتح في القلب جراحات عميقة ينكاها في الصميم ، أنه يكاد يرهق سمعي ويهد أعصابي المكدورة . . . وأيام الشتاء تقبل على القرية ، ما أفظع لياليها ! وأنا بين جدران أربعة يعبق في جوها أريج الطين وعطر الأرض النفاذ ، وقد فغرت ثقوب الكوخ أفواهها ، والريح ترسل عويلا يمتد ويتلوى في أنين خافت . . والليل مظلم كئيب يقطع سكونه نباح الكلاب ثم تذوب أصواتها بعيدا في الفضاء . . السكون العميق يلفني ، ويطغى على حواسي ، ويبعث في أذني هذا الوشيش الناعم الذي ليس إلا صدى الرهبة العميقة ، وتحت ضربات الريح العابثة يئن الباب وقد كلت أخشابه المتداعية فيرسل صريرا خافتا . . . لقد نامت القرية وهجع سمارها ، وذو القلب المعنى لا يهجع ، والقلم لا ينقطع عن الصرير فيخط ذوب هذه النفس الحبيسة . . . ! وأحسبني أطلت عليك وأثقلت في ثرثرة قد لا تكون في الواقع إلا صدى لما أعاني ، وإلا شكوى أبثها لمن يتسع قلبه الكبير لشكاتي . . . لقد هصرتني هذه الأعوام الثلاثة وأحالتني بشرا تبدو على فمه البسمة لكئيبة ، وينشج قلبه بالبكاء . . وبكاء القلب من أمر البكاء . . أيامي هنا يا صفي القلب ، ضني للقلب والعقل والروح . . وكبت للرغبات وموت للآمال . . أيامي تضيع بين دمي من البشر تقسو حتى في نظراتها . . ولا يجيب صراخي المكبوت إلا صداه المعذب ، ولا أسمع إلا قهقهات القدر تتسع وتتضخم في تهاويل بشعة ، فتحيلني إلى صخرة صماء وقد تبلدت في نفسي عواطف الإنسان الشاعر ، وشاب قلبي الفتى في غير أوانه . . . أشعر كان جسمي وروحي معا يريدان الانطلاق من هذا الجحر الأعتم يريدان العالم الحر الفسيح ، يريدان الحياة بين الناس ، بين أنس الصداقة ، بين لهو الخلق وصخب البشر . . ولكن ! ! لم يبق في جعبتي من لذة العيش وأحلامه الرغيدة إلا هذه الذكريات أسدر سابحا في بيدائها التي عفت عليها الأيام . . أناجيها إذ أخلو إلى نفسي ، وأستعيدها فترق لها روحي وتطيب ، نعم لم يعد لي من لذة الحياة وهناءة العمر ، إلا هذه اللحظات التي عبرت شاطئ حياتي كالوهم ، وقد أتساءل أحيانا أعشت فيها حقا ! ؟ . . المفتش في يوم من الأيام دخل علينا الصف مفتش اللغة العربية بهجت الأثري ، دخل بجسمه الطويل ولكن غير العريض وبعمامته البيضاء المشدودة على الطربوش الأحمر وبنظارته المتلألئة ، دخل متعاظما يتكلف الوقار والهيبة ، فكانت أسئلته للتلاميذ أسئلة لا يراد بها إلا التظاهر بالعلم والتفوق وإلا محاولة أن يجد ثغرة ينفذ منها إلى التجريح ، وإلا أن يجد وسيلة يقول فيها أنه كتب تقريرا . وكان مركب النقص عند هذا الفريق من المفتشين الذين لم يعرفوا شيئا من الدراسات الحديثة ، والذين يعلمون أنهم دون من ( يفتشونهم ) علما وتجربة ، والذين نشؤوا على حب الاستعلاء دون أن تكون لهم كفاءات الاستعلاء ، كان مركب النقص هذا عندهم يحملهم على ركوب المراكب لخشنة والتعامل بغلظة وفظاظة محاولة لستر نقصهم . لم يجد بهجت الأثري ما يسال به التلاميذ من مواضيع النحو إلا