حسن الأمين
308
مستدركات أعيان الشيعة
كتاب رحلاتي الذي أصدرته بعد ذلك وسميته ( من بلد إلى بلد ) . وكانت ثاني المقالات في وصف رحلة قمت بها مع الطلاب من الحلة إلى سامراء . وعدا القصيدة اللامية التي مر ذكرها نظمت قبلها قصيدة كانت من وحي أول عيد يمر علي وأنا بعيد عن الوطن والأهل ومنها : أطل علينا كالح الوجه خابيا يثير شجونا في الضمير سواجيا أطل فلا القلب الطروب كعهده طروب ولا غر الليالي كما هيا يهيم بحوراء اللحاظ ويجتلي على طلعة العيد الحسان الروانيا لقد حال ذاك البشر غما وبدلت ضواحك نفسي في الحياة بواكيا فلا العيد بساما يهيج صبابتي ولا الحسن وضاء يثير غراميا تلفت للعيد المطل فلم أجد على جنبات العيد إلا ماسيا ورائي من الأشواق ثم مفاوز وبحر من الأشجان طام أماميا تلفت من شط الفرات فراعني على جنبات الشط ألا لا تلاقيا لئن لذ للوراد عذب فراتهم فان فؤادي فيه ما زال ظاميا يحن لماء البركتين ويشتهي مشارع في تلك الذري ومساقيا له الله خفاقا على غارب النوى يصارع أياما ويشكو لياليا لقد شفه بعد المزار وهاجه إلى شجرات الرند إن ليس دانيا فيا شجرات الرند في سامق الذري سقيت على البعد الغمام الغواديا فما راقني بعد ( الدواوير ) مربع ولا اعتضت عن ( وادي السلوقي ) واديا ولا شاقني من بعد ( غرة ) مبسم يشوق ولا هاج الغرام فؤاديا سقى ( الحومة ) الخضراء صوب سحائب وروى هطول المزن ثم ( الدغاليا ) مرابع يطلعن ( السكوكع ) أبيضا ويزهين ( بالدحنون ) أحمر قانيا نناجي مغانيها النضيرة لو وعت على منتأى الدار المشوق المناجيا ونسأل عنها الركب هل كان زاهرا ربيع الحمى فيها وهل كان زاهيا والدواوير ، ووادي السلوقي والحومة ، والدغالي : أماكن في شقرا ، والسكوكع والدحنون من أزاهيره البرية . وللمقايسة بين هذا الإنتاج الشعري في الحلة وبينه بعد التخرج من معهد الحقوق يكفي أن تعلم أن آخر قصيدة كنت قد نظمتها كانت وداعا للدروس عند التخرج ثم انقطعت بعدها عن الشعر إلى أن كانت القصيدة اللامية - ثم اليائية في الحلة . وكذلك الحال في النثر . ولا يزال من أحب ما كتبته من النثر إلى نفسي ، قطعة عاطفية كتبتها في الحلة عند سماعي في المذياع زجلا لعلي الحاج مذاعا من بيروت يقول فيه : عطشان وقلبي محروق اسقيني من إبريقك ميا وقد ضممت هذه المقالة إلى كتاب ( من بلد إلى بلد ) ، وهي وإن لم تكن من أدب الرحلات ولكنها لصيقة به . وصرت بعد ذلك لا يصدر جزء من أجزاء مجلة العرفان الشهرية إلا ولي فيه مقال ، أما في الأدب العربي أو في أدب الرحلات ، ومما نشرته فيها في تلك الفترة دراسات عن الشاعر ابن هاني الأندلسي ، وهي فيما أحسب أول دراسات تنشر عن هذا الشاعر المظلوم . وكذلك دراسات عن الشاعر ابن زيدون نشرت في بعض المجلات البيروتية . وممن عرفتهم في الحلة متصرفها السيد سعد صالح ، وهو من رجال الأمة العربية المعدودين ، فقد نشا عصاميا وكون نفسه بنفسه ، وكان يجمع الذكاء الوقاد والموهبة الأدبية والخطابية والحنكة السياسية والرأي الراجح والوطنية الصادقة . وكان كل ما فيه يؤهله للزعامة الشعبية النافذة . ولما احتيج إليه ليكون وزيرا للداخلية رفض قبول الوزارة ما لم تطلق حرية تشكيل الأحزاب فكان له ما أراد . ولما استقال من الوزارة وانصرف إلى المعارضة المنظمة كانت قد تهيأت له كل وسائل القيادة الشعبية الراسخة وأصبح ينظر إليه نظرة الزعيم الذي أخذت تتجمع حوله القلوب ، وبينما هو يخطو خطواته المتتابعة انقض عليه داء عضال بدأ يهده طيلة سنتين هدا بطيئا ولكن متمكنا ، ولم تنجح في مقاومته علاجات العراق وأوروبا ، حتى انطفا سراج سعد في غير أوانه ! فانطفات بانطفائه شعلة مروءات ونخوات وأريحيات وألمعيات . ومن الطرائف في الحلة أن الحي الذي سكناه أنا وزميلان مصريان كان اسمه حي ( التعيس ) ، ولا أدري من هو هذا التعيس الذي أطلق الحليون لقبه على هذا الحي ، ولا ما هو نوع تعاسته ولا ما هي أسبابها . ولو كنا ممن يتشاءمون من الأسماء والمناظر على الصورة التي يتهمون ابن الرومي بها لرفضنا أن يكون منزلنا في حي ( التعيس ) ، ولكننا لم نكن كذلك ورضينا بان نقيم في المكان الذي كان يوما مصدرا لتعاسة الناس . وإنصافا لهذا الحي فإننا نشهد أن النعاسة لم تطرقنا فيه ، بل كنا على الكثير من السعادة والبشر ، وهو الجو العام الذي كانت تضفيه علينا الحلة سواء من حيث جمالها الطبيعي الناضر ، أو من حيث أصالة أهلها في خلال الخير . موت الملك غازي ومن ذكريات الحلة أننا فوجئنا في صباح 4 نيسان سنة 1939 بنبأ مصرع الملك غازي مصرعا مروعا ، وكان لغازي حب في نفوس الناس وكانوا يعقدون عليه آمالا كبيرة ، لذلك كان لموته في عنفوان شبابه صدى حزن عميق أثار الجماهير أي إثارة . وبعد مرور ثلاثة أيام على وفاته أقيمت له في الحلة حفلة حافلة دعيت إلى الخطابة فيها ، فألقيت كلمة أنقلها هنا ليرى القارئ كيف كنا نفكر في تلك الأيام . وقبيل وفاة غازي كانت الاضطرابات في سوريا قائمة على الفرنسيين ، وقد انتصر العراقيون لإخوانهم في بلاد الشام فعقدوا الاجتماعات وقدموا الاحتجاجات وأقاموا المظاهرات . وكانت للملك غازي محطة إذاعة خاصة في قصره ( قصر الزهور ) كان يشرف عليها بنفسه وكانت صدى لكفاح السوريين تنشر أخبارهم وتثير هممهم . وفي يوم من الأيام ألقى منها أحد المدرسين السوريين خطابا حماسيا أستصرخ فيه الملك غازي ، فكان يكرر في خطابه نداء : يا غازي . . . يا غازي . . . مستنصرا به على الفرنسيين ، مستنجدا به للسوريين . وفي اللحظة التي أنهى فيها الخطيب خطابه تعالى صوت في المذياع : لبيك . . . لبيك .