حسن الأمين

29

مستدركات أعيان الشيعة

ومظاهر تأثيرها في الكوميديا الإلهية مضمونا وشكلا ، رمزا ورؤيا صورا ودلالات في مقابلات ومقارنات رائعة فرضت سلطانها على ثقافة القرن العشرين لأكثر من ستة عقود وما زالت . لقد استنفر الكتاب عددا غير يسير من الاستجابات على أطروحته التي ترسخت مع مرور الزمن وأيدتها حركة البحث المتأخر . وقد صنف بلاسيوس روايات المعراج ومطبوعاته والمؤلفات التي تتصل بهذا النوع الأدبي الفذ ، وأحصى كل ما وقعت يده عليه حتى زمن تأليف الكتاب ونشره ( [ 19 ] 1919 - 1918 م ) ورتب ذلك في دوائر ثلاث : الأولى : دائرة الأسراء . الثانية : دائرة المعراج . الثالثة : دائرة تدمج الدائرتين الأولى والثانية معا ، مبتدئا بالقرآن فالسنة فالقصص الإسلامي المتعلق بهما منتقلا إلى الأشكال الأدبية التي تصل بالقصة وجذورها في الفلسفة الإسلامية وتشكلها تشكلا جديدا في إطار الرموز الصوفية . وقد استوفى المؤلف مصادره المتنوعة وتناولها تناولا مقارنا يعتبر الأول في هذا الباب . ولما كانت الأوساط الأدبية عندنا لم تتعرف حقيقة على المعراج كنوع أدبي متميز ، ومحصولها من البحث في هذا الاتجاه فقير وأنها واقعة تحت سيطرة [ العصرنة ] العصرية والتحديث وما يستتبع ذلك من تصنيف ، فلم يحظ هذا النوع باهتماماتها وأدرجته في باب القصص الديني وأهملته جاهلة أهميته الفلسفية والفكرية وخطورته الأدبية . لذلك تشوهت القضية التي تناولها بلاسيوس في كتابه وانتقل التركيز من الأصل وهو المعراج إلى الفرع كرسالة الغفران ، وأخرجت الأطروحة من محورها الأساسي وتشتت في ذهن القارئ العربي على الأقل . إن ( المعراج ) هو النموذج الأصل للرسالة ، احتذاه المعري واستعار إطاره وتركيبه ليطرح من خلالهما نقده الفكري والأدبي والاجتماعي . وليس مبالغة القول : إن المطبعة العربية لم تطبع كتابا واحدا للمعراج يمكن أن يأنس له القارئ العربي وتركت طبعات الرصيف الصفراء تنتظر من ينفض عنها الغبار وينقلها إلى دوائر الوعي . ورغم أن آسين بلاسيوس قد أفرد حيزا خاصا في كتابه ( الإسلام والكوميديا الإلهية ) ناقش فيه مؤثرات ( الرسالة ) على ( الكوميديا ) في إطار الفرضية والتخمين الذي يستند على المقابلة والمقارنة بين المواضيع والأفكار والصور والأساليب لكل من المؤلفين غير أنه لم يستطع أن يؤيد مقارناته المقنعة وتحليله الأدبي الآسر بالوثائق الفعلية مفترضا أنه لا بد للرسالة وقد سبقت الكوميديا بما لا يقل عن خمسة قرون من أن تتسلل إلى أوساط الثقافة الأوربية الناشئة بدءا من القرن الثالث عشر عبر الوسائط الحية الشفهية إن عبر الأندلس أو صقلية وجنوب إيطاليا أو الفترة الصليبية أو عبر ترجمات مكثفة لمصادر تفسير القرآن والسنة . ونحن مع الأستاذ عيسى الناعوري وبنت الشاطيء من أن نقاط الالتقاء بين ( الرسالة ) و ( الكوميديا ) لا تتعدى الإطار العام والحوار بين صاحب الرحلة وسكان الجحيم والجنة . أضف إليه أن فلسفة كل من المعري ودانتي وخلفياتهما ومزاجهما تختلف اختلافا أساسيا بل إنهما ليتقاطعان أيضا في نظرتيهما للوجود والحياة والموت والعقائد الدينية . 2 - الكوميديا وإشاراتها الإسلامية الكوميديا الإلهية هي ملحمة شعرية قصصية لمؤلفها دانتي الألجيري الذي كتبها في مطالع القرن الرابع عشر الميلادي ، وتتالف هذه الملحمة من ثلاثة أقسام : الأول الجحيم والثاني المطهر والثالث الفردوس ، وهي من ملاحم الرحلات في العالم الآخر كالمعراج ورسالة الغفران اللذين سبقاها والفردوس المفقود لملتون . وتعتبر الكوميديا الإلهية مع ملحمة « أغنية رولان » نقطة انطلاق الآداب الأوربية الحديثة لتحولها عن التعبير باللاتينية إلى اللغات الرومانسية . وتكتسي الكوميديا الإلهية أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن العرب للعلائق التاريخية والموضوعية بينها وبين قصص المعراج ، هذه العلائق التي درسها آسين بلاسيوس بالتفصيل في كتاب بالاسبانية نشره في مدريد عام 1919 وترجم إلى عدد من اللغات الأوربية . وللكوميديا مستويات متعددة أدبية ودينية وفقهية ورمزية وحضارية وتصوفية . وتعتبر الكوميديا قصة رمزية Allegory لخبرة دانتي الروحية ومساره من عالم المادة إلى عالم الروح وعروجه من الجحيم إلى النعيم مرورا بالمطهر حيث تتطهر الأرواح من أدرانها وتستحق الانتقال إلى النعمة الإلهية . والذي يؤكد إعجاب دانتي بماتي الحضارة الإسلامية كونه أحل ابن رشد وابن سينا في « الليمبو » كأعظم مفكري اليونان وفلاسفتهم لكونهما حازا على فضائل العقل وحرمانهما نعمة الروح فما هما في الجحيم ولا هما في الجنة بل في منزلة بين المنزلتين . ويتناقض مع هذا التقدير الذي يحمله دانتي للأخلاق العربية والإسلامية وللخدمات الفكرية والحضارية التي أداها العرب والمسلمون للغرب مع موقفه من الإسلام كدين وعقيدة . مهما يكن فان اهتمام دانتي بالأفكار والعقائد والأخلاق الإسلامية وموقفه من رجالها سلبا أو إيجابا يعكس لنا ولو بايجاز معرفته الأكيدة بالإسلام ومصادره الأساسية . هذه الإشارات الرمزية التي لا يمكن أن تكون إشارات عابرة لمعرفة سطحية . 3 - مخطوطة المعراج الأندلسية والترجمة كان الدانتيون يحتجون دائما على نظرية المؤثرات العربية الإسلامية على شاعرهم بكونه لا يعرف اللغة العربية ، فليس من المعقول إذن أن يتأثر بالمعراج وما يتصل به من قصص ديني وصوفي وأدبي . وعلى فرض أنه قرأ بعض ترجمات القرآن والسيرة إلى اللاتينية ، فما ورد فيهما من وصف النعيم والجحيم وما جاء في السيرة المترجمة من ذكر الأسراء والمعراج لا يشكل خلفية كافية أو أرضية صلبة لنظرية خطيرة كنظرية آسين بلاسيوس ( 1 ) لكن محاربة واقع التاريخ بالمنطق لا يؤدي إلا إلى نتائج منطقية بعيدة

--> ( 1 ) 67 - 54 . PP . 1968 Asin Palacios , Islam and The Divine Comedy , Translatel Byharold Sutherland N . Y . . .