حسن الأمين

269

مستدركات أعيان الشيعة

الشيخ عز الدين بل واصلنا السير على الخيل إلى قرية طيردبا حيث مقر الشيخ حسين مغنية وهناك حللنا لنعاود السير في صباح الغد إلى شقرا . وكان والدي والشيخ حسين مغنية ألفين متحابين وصديقين متلازمين درسا في بنت جبيل معا في مدرسة الشيخ موسى شرارة ، وسافرا إلى النجف معا ، وعاشا هناك عشر سنين معا ، وعادا من النجف معا ، فاستقر الوالد في دمشق ، واستقر الشيخ حسين في قرية طيردبا . وكان الشيخ حسين إنسانا فريدا بعلمه وهديه واستقامته ، وأصبح في جبل عامل علما باذخا ، ورجل دين يمثل أنبل ما في الدين من فض الخصومات والترفع عن الدنايا والسعي في الخير وخدمة الناس . وكنت في كل مر أراه فيها سواء في طيردبا أو شقرا أمتلئ من رؤيته شعورا بحبه واحترامه ، وأشعر بانعطاف روحي إليه وأستمتع بحديثه ومجلسه أقصى ما يمكن أن يستمتع من هو في مثل سني . بتنا في بيت الشيخ حسين مغنية ، ولم تكن هي المرة الأولى التي نبيت فيها في بيته وننزل ضيوفا عليه . وقد كان بيته من أكرم البيوت وأنصعها ، وهو ككل بيوت الجبل المعروفة لا بد فيه من العدد الوافر من الحشايا وما إليها من وسائل النوم ليكون على استعداد دائم لاستقبال الضيوف النازلين . والبيوت المضيافة كانت متهيئة دائما لمثل هذا ، وكثيرا ما يتعاون الناس على تسهيل أمور بعضهم البعض في مثل هذه الحالات . فربما نزل عدد من الضيوف كان من الكثرة بحيث لا تستوعبه وسائل النوم العتيدة . وهنا يكون من المألوف أن يستعير المضيفون من خلصائهم في القرية ما يرون أنهم بحاجة إليه من الحشايا وتوابعها . وربما مررت في موضع آخر بشيء من تقاليد الضيافة القروية الكريمة . لا تتضح الآن في ذهني معالم الطريق كلها من صور حتى شقرا ، ولا أستطيع تعداد المراحل التي كنا نمر بها طيلة الست الساعات أو السبع التي كنا نمضيها على ظهر الخيل في ذلك الطريق . وقد أنساني الدهر تفاصيلها على كثرة ما عبرتها . غير أنني أذكر أنه كان لا بد لنا بعد الخروج من قرية طيردبا من المرور بقرية معركة ، ولا أزال أتذكر أنه كان على جانب الطريق قرب معركة بضع شجرات من التين متفردة عن الكروم ، كنا لا نحجم عن أن نقطف ونحن عابرون بعض أثمارها اليانعة . ثم أنني أذكر من مراحل الطريق ( عين الراموح ) التي كنا نجتازها غير متوقفين . ويخيل إلي أننا كنا نمر قريبا من عين دير كيفا . غير أنني لا أتحقق إلا أننا كنا ننتهي إلى وادي السامر مارين قبله بعين الجرانيف قرب قرية خربة سلم ، ثم بالزياتية وهي مكان لعدد من شجر الزيتون . على أنني أتذكر أننا كثيرا ما صعدنا أو هبطنا ( عقبة الطبالة ) الملاصقة لخربة سلم . ولا أدري الآن هل كنا نصعدها ذاهبين إلى صور ، ونهبطها قادمين منها . أم أن مرورنا بها كان في سفرات أخرى ؟ أرجح الرأي الأخير . وكانوا يعللون لنا اسم ( عقبة الطبالة ) ، أنها كانت المكان الذي يستقبل فيه ( الطبالون ) بطبولهم الحكام الاقطاعيين العائدين إلى مقرهم . وبعضهم كان يقول أنها مأخوذة من كلمة طبل ( بتشديد ألباء ) وذلك أنها لشدة ارتفاعها وصعوبة ارتقائها ، كانت تحمل العاجزين على التطبيل . وفي الاصطلاحات العاملية العامية ، أن يقال ( طبل فلان ) بتشديد ألباء ، أي : أعيا وعجز عن السير . وبعد اجتياز وادي السامر كنا نصعد الثنية واصلين إلى بير حميد . وهناك تلوح لنا شقرا . ثم نهبط من بير حميد واصلين إلى الوادي المتصل بوادي نحلة ، والذي هو جزء منه ، فنقطع الوادي الضيق في عرضه صاعدين في العقبة الكاداء . وبمجرد دخولنا إلى الوادي نكون قد صرنا في أرض شقرا ، ويتتالى صعودنا حتى نصل إلى العين الفوقا أو ( عين الفوقا ) كما يطلق عليها هناك ، ويكون المنتزة وعينه إلى يسارنا ، ثم نكون بين كروم التين ماشين إلى المنازل . وهذه البقعة من ( عين الفوقا ) والمنتزة إلى كروم التين ما قبل حريبة وبعد حريبة إلى ما يليها وينحدر عنها ويتفرع منها تتصل بالنفس باعذب الذكريات وأحلاها ، مما سيطول الحديث عنه في الآتي من القول في الذكريات العاملية . على أنه لا بد هنا من كلمة في وادي السامر الذي مر ذكره . ويلفظونه هناك بفتح الميم . وأحسب أن أصل الكلمة بدون ألف بعد السين ، فيكون : ( وادي السمر ) . وهذا الوادي يقع بين عدة قرى بين أهلها تواصل وتواد ، فربما كان ملتقى للكثيرين منهم في ليالي الصيف والربيع حيث يسمرون فيه ، فأطلقوا عليه اسم ( السمر ) . وهو واد يكاد يربط بين ( شقرا ) و ( الصوانة ) ، ولا يفصله عن الصوانة إلا ( خلة الدالية ) حيث ينتهي الوادي قبلها في خلة السيدة وزيتونات الزياتية ، ثم يصل السائر منها إلى ( خلة الدالية ) فيصعدها واصلا إلى الصوانة . أما من ناحية شقرا فينتهي الوادي قبيل ( بير حميد ) ، حيث يصعد الصاعد منه في الثنية إلى بير حميد ، ثم يهبط إلى الوادي الموصل بأرض شقرا . فهو إذن الطريق المستقيم الواصل بين القريتين ، ولا يوجد بينهما طريق يحمل اسما مستقلا يدانيه بالطول وبعد المسافة ، بل أن الأسماء الأخرى تشغل جزءا لا يذكر أمام حيزة . وبذلك كثر ترديده في شقرا وفي الصوانة على السواء . لما يربط بين أهل القريتين من روابط القربى في أسرة من