حسن الأمين

26

مستدركات أعيان الشيعة

الجادة الأولى ، أو لما تنطوي عليه الثانية من مغريات ، كالأرباح الهائلة التي يمكن أن يحققها إذا ما حول طريقة إليها . وكلا السببين لم يكن له وجود بالنسبة إلينا . فيوم كانت أسبانيا والبرتغال في أيدينا كانت جميع الطرق مفتوحة أمامنا ، من الصين إلى ما وراء جبل طارق . وكانت قوافلنا التجارية ، برية وبحرية ، تتهادى غادية رائحة ، بين سواحل البحر الأبيض المتوسط ، وسواحل الصين ، في أمن واطمئنان ، وهي تتجر أثناء سيرها في تلك الطرق ، فتضاعف أرباحها ، وهو لم يكن ليتسنى تحقيقه ، لو أنها سلكت طريق المحيط الأطلسي . أما غرب إفريقية ، فلم يكن ثمة ما يغري بالسفر إليه ، لا من الناحية التجارية ، ولا من أية ناحية أخرى . لقد كانت أسواق الاستهلاك الإفريقية مقصورة على الشمال والشرق من القارة . أي في الإطار الحضاري الذي صنعه العرب على السواحل الإفريقية . ولسنا بسبيل الحديث عن الشمال الإفريقي ، فأمره معروف مشهور . أما السواحل الشرقية فقد استوطنها عرب الخليج واليمن منذ أقدم العصور . وحينما جاء البرتغاليون كان يحكم الشقة الساحلية - الممتدة من جنوب بلاد الصومال في الشمال ، إلى حدود سفالة الجنوبية في الجنوب - حكومات عربية . وكانت التجارة الإفريقية كلها ، باستثناء الأجزاء الشمالية ، في يد هذه الحكومات العربية ، فهي التي تزود إفريقية بما تحتاجه من منتجات البلاد المتحضرة ، وخاصة الأقمشة التي كانت تستوردها من كنباية ، مقابل الذهب والعاج من مناجم روديسيا وجنوب إفريقية وغاباتهما . ويصور لنا بربوزا Duarte barbosa حجم تلك التجارة عند وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي ، وما كانت تدره على أصحابها من خير ورخاء . كما يصور لنا ما كان للعرب من نفوذ في تلك المناطق الإفريقية ، وذلك خلال حديثه عن مدينتي كلوة وممباسة . أما كلوة ، « فتقوم على جزيرة قريبة جدا من الساحل . وهي مدينة عربية كثيرة البيوت الجميلة المبنية بالحجارة والملاط . ولهذه البيوت نوافذ كثيرة تشبه النوافذ التي يتخذها البرتغاليون في بيوتهم . وشوارع المدينة منسقة تنسيقا جيدا وأسقف البيوت مسطحة ، وأبوابها الخشبية جميلة النقش ، ممتازة الصنع . وتحيط بكلوة الجداول والبساتين وحدائق الفاكهة الكثيرة القنوات ، المترعة بالمياه الحلوة . وعليها ملك عربي . ويتجر أهلها مع سفالة ، فيأتون منها بالذهب ، ويوزعونه في جميع أنحاء البلاد العربية السعيدة ( 1 ) Felix Arabia ونحن نطلق عليها هذه التسمية منذ اليوم وان كانت تقع في الحبشة ( إفريقية ) ، لأن الساحل كله آهل بالعرب ومساكنهم . وفي هذه المدينة كمية عظيمة جدا من الذهب ، لأن السفن المتجهة إلى سفالة ، لا بد وأن تمر أولا بها ، وعربها بعضهم من البيض وبعضهم من السود . وهم حسنو البزة . ولباسهم من الأقمشة الثمينة المصنوعة من الذهب والحرير والقطن ، وكذلك ثياب النساء اللواتي يستعلمن مقادير كبيرة من الذهب والفضة على هيئة قلائد وأساور ودمالج ، ويكثرن من الأقراط الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة . وهم يتكلمون اللغة العربية ، ويتبعون شريعة القرآن ، ولهم إيمان عظيم بمحمد ( 2 ) وأما ممباسة فمدينة جميلة جدا ، وتشبه كلوة في تخطيطها وبنائها وسكانها « . وكانت تجارتها مزدهرة ، وميناؤها طيبة ، يرسو فيها دائما ، عدد كبير من أنواع السفن الصغيرة المختلفة ، والمراكب الكبيرة ، سواء تلك التي تقصدها من سفالة ، أو تأتي إليها من كنباية وملندي ، أو تمر بها أثناء سفرها إلى جزيرة زنجبار . . . » ( 3 ) فما حاجتنا إذا إلى إفريقية الغربية ، ولم تكن لها في ذلك التاريخ ، أية أهمية اقتصادية ، لا من الناحية التجارية ولا من الناحية الإنتاجية على الإطلاق ! إن عدم استعمالنا للمحيط الأطلسي ، لم يكن عن جهل به ، أو عجز عن ارتياده ، وإنما لمعرفتنا بالأوضاع الاقتصادية في السواحل الإفريقية الجنوبية والغربية ولو تاتت للبرتغال الطرق التي تانت لنا ، لما فكرت في سلوك المحيط الأطلسي يوما من الأيام . النصب التذكاري استشهد الدكتور أنور عبد العليم ، دعما لمزاعم فران عن قيادة أحمد بن ماجد لسفينة فاسكو دي گاما ، من ملندي إلى كليكوت ، بنصب تذكاري يقال أن حكومة البرتغال أقامته مؤخرا في ميناء ملندي ، تخليدا لتلك المناسبة ، وذكر أن أستاذا في جامعة شرقي إفريقية أخبره بذلك ، وأطلعه على صورة فوتوغرافية للنصب المذكور ، عام 1966 م . ونظن أن الأمر تشابه على الأستاذ الإفريقي ، وان النصب الذي تحدث عنه لم يكن لأحمد بن ماجد ، ولم تقمه حكومة البرتغال : وإنما هو لعيسى بن طريف ، شيخ قبيلة آل بن علي ، البحرانية - القطرية ، « الذي فتح بمباسة [ ممباسة ] [ 1836 - 1830 م ] من جنوب ( شرق ) إفريقية مع عشيرته ( آل بن علي ) مساعدة لحاكم مسقط وزنجبار ، السيد سعيد بن سلطان آل أبي سعيد » ( 4 ) . [ 1791 - 1844 م ] ، وان ذلك النصب أقامته حكومة زنجبار العربية العمانية ، وليس البرتغال التي كانت قد طردت نهائيا من جميع الأراضي الواقعة في الشمال من موزمبيق ، على يد الأسطول العماني فيما بين عامي 1696 و 1698 م ، في أيام الامام سيف بن سلطان قيد الأرض اليعربي ، أمام عمان وانقطعت بذلك صلتها بتلك البلاد . إن لدينا في دبي عددا كبيرا من عرب إفريقية الشرقية ، وبينهم خريجو جامعات ، وحملة شهادات عليا ، ويعرفون عن أحمد بن ماجد ما يعرفه أي مثقف عنه . وقد رجعنا إليهم ، وبعضهم حديثو عهد بكينيا ، فلم يعرف أحد منهم شيئا عن ذلك النصب ومع ذلك ، وحتى ولو صحت رواية الأستاذ الإفريقي ، فيبقى أن نسأل عن الأسس التاريخية ، وعن الوثائق الثابتة ، التي اعتمدت عليها حكومة البرتغال في إقامة ذلك النصب ، فقد تكون إقامته اعتمادا على مزاعم فران . السيد أحمد الصافي النجفي ولد في النجف سنة 1314 وتوفي في بغداد عن عمر ناهز الثمانين ودفن في النجف . نشا في النجف وفيها درس . ولما احتل الإنكليز العراق في نهاية الحرب العالمية الأولى وثارت النجف ثورتها الأولى عليهم ، وشنق الإنكليز

--> ( 1 ) نفس التسمية التي أطلقها الكتاب اليونان والرومان على اليمن . ( 2 ) . 8 - 71 . The Book of Barboas , pp . ( 3 ) 20 - 19 . Ibid . P . ( 4 ) الشيخ خليفة ابن حمد النبهاني ، تاريخ البحرين ، ص 162 ، انظر كذلك لوريمر . دليل الخليج ، الترجمة العربية ، حكومة قطر ، ص 701