حسن الأمين

255

مستدركات أعيان الشيعة

بيت ، ثم يعود فيبتدئ ( الدور ) من جديد . كان لكل حي ( أدواره ) ولكل صنف من الناس ( أدواره ) ، فيكون التلاقي في ( الدور ) فرصة لمن قد لا يتلاقون إلا في ( الدور ) ، كما يكون وسيلة لبحث ما يطرأ من الشؤون العامة والخاصة . وكانت أدوار حي الخراب ثلاثة أدوار ( دور ) للكهول والشيوخ وهم على الأغلب من التجار . و ( دور ) للشبان وأكثريتهم إما من التجار أو أبناء التجار . و ( دور ) ثالث لمحبي الثقافة والأدب الراغبين في الاستزادة من المعرفة . أما ما يجري في ( الدورين ) الأولين فان الدور الأول يغلب عليه طابع الجد ، وكثيرا ما يتعدى الجد إلى التنكيت وتبحث فيه شؤون الحي وأهمها شان المدرسة العلوية وما تشكو منه أو ما يؤدي إلى تقدمها . وأما ( الدور الثاني ) فيغلب عليه طابع التنكيت والقيام ببعض الألعاب المشتركة والتسليات الطريفة ، ثم يكون للجد مكانه ، وأهم ما يشغل أهله هو أمر المدرسة أيضا . وأطرف شخصية كانت في هذا الدور هي شخصية توفيق شمس المنكت البارع الظريف الذي أصبح بعد ذلك مختارا لحي الخراب . وأما ( الدور ) الثالث فقد كان معينا له ليلة الأربعاء وكان رواده أقل عددا بينهم شبه الأمي وشبه المتعلم والمثقف والعالم . ولكنهم كلهم يشتركون في أنهم أذكياء متفهمون راغبون بالمعرفة . وكان منهجه أن يتلى فيه كتاب من كتب التاريخ أو الأدب ، ويناقش ما يتلى أو يوضح . وكان لا بد من تلاوة شيء من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد . كما كان ينشد فيه الشعر الجيد من بعض ذوي الأصوات الجيدة على الطريقة المعروفة في جبل عامل والعراق . وأطرف شخصية في هذا ( الدور ) كانت شخصية إبراهيم اللحام ( أبي توفيق ) . وكان لا بد في ( الدورين ) الأول والثالث من حضور الوالد ، أما ( الدور ) الثاني فلا يحضره إلا إذا كان حضوره ضروريا للبت في بعض الأمور . وقد أنتج ( الدور ) الثالث الكثير من الشعر الطريف كان ناظموه الوالد وأديب التقي وأحمد صندوق ، كما أنتجت ذكراه قصيدتين جميلتين للوالد ولأحمد صندوق إذ أرسل الوالد بعد إقامة طويلة في جبل عامل قصيدة يحن فيها إلى دمشق ويذكر ليالي الأربعاء . فأجابه أحمد صندوق بقصيدة من رويها وقافيتها كانت تخليدا ( لليلة الأربعاء ) كما أن لأحمد صندوق أكثر من قصيدة في الحديث عن ليلة الأربعاء . ومن أطرف ما جرى في إحدى الليالي أن اقترح أحدهم أن يفرض على كل واحد من الحاضرين أن ينشد شيئا من الشعر على طريقة الإنشاد المعروفة . وكانت معظم الأصوات منكرة ، مما أدى إلى ضحك طويل . وكنت أنا صبيا يصطحبني والدي معه لحضور ما يحضره لا سيما ( دور ) ليلة الأربعاء . وقد أثرت في ليالي الأربعاء تأثيرا كبيرا وانطبع في ذهني منها من المعلومات ومن الشعر ما استفدت منه كثيرا . لقد زال ( الدور ) فيما زال من التقاليد الدمشقية الشعبية . في أزقة دمشق كانت المدرسة العلوية تجاورنا ، بل كان أحد جدرانها يلاصق بيتنا ، لذلك كنت أتباطا في الذهاب إليها صباحا ، فلا أمضي حتى أسمع صوت ( الصفارة ) معلنا التجمع لدخول الصفوف وعند ذلك أهب لأخذ كتبي ودفاتري فاصل المدرسة في دقائق تكون كافية لانتظامي بين التلاميذ الداخلين إلى صفوفهم . والمدرسة والبيت يقعان في ( دخلة الشرفا ) وقد يقال لها ( دخلة السيدا ) بتشديد السين المكسورة وفتح الياء ، وهي عبارة عن ممر ضيق غير نافذ ، ينتهي ( بدخلة ) أخرى أكثر ضيقا وأقصر مسافة تكاد تكون مظلمة في النهار . ويبدو أن الاسم ( الشرفا ) قد التصق بها لأن سكانها كانوا من السادة الأشراف ، وهم في أكثريتهم من آل مرتضى وإن كانت منذ عرفناها غير مسكونة إلا من بيتين منهم فقط . أما البقية فهم من آل اللحام ، ثم من آل بيضون وبيت واحد من آل الجمال . وكان ألصق الجيران بنا الحاج مهدي ( أبو أحمد اللحام ) ، الذي كثيرا ما كنت ألقاه بجسمه المربوع الممتلئ وعمامته ( الغباني ) منطلقا في الصباح بوجه يشع إيمانا وتقى وابتسامة تفيض سماحة وبشرا فيملأ نفسي حبا له وتعاطفا معه . . ولطالما خرجنا من ( دخلة الشرفا ) ومشينا متجاوزينها ومنطلقين إلى يميننا اجتيازا لزقاق المدار ، ثم منحرفين إلى اليمين ماشين في الشارع الجديد المنشأ خلال الحرب العامة الأولى ، ثم منتهين إلى السوق . وهو السوق الذي يبدأ من باب الجابية ثم ينتهي ( بباب شرقي ) ( الباب الشرقي ) . وخلال امتداده الطويل هذا يتكيف تكيفات عديدة ويتسمى بأسماء مختلفة . فهو منذ باب الجابية سوق مسقوف تقوم على جانبيه المتاجر المنوعة وبعد أن يكون اسمه سوق مدحت باشا يصبح اسمه في امتداده ماذنة الشحم ، ثم ينتهي سقفه ، ولكنه هنا في ماذنة الشحم يبدل متاجره ، فبعد أن كانت في سوق مدحت باشا متاجر عامة ، تصبح في أوائل ماذنة الشحم بعد مدخل سوق البزورية سوقا لاستيراد أبناء الغوطة والمرج ، مما يطلق على أصحاب متاجره اسم ( الجرادين ) ( بتشديد الراء ) ثم يصبح فيما يلي ذلك سوقا خاصا بحي ماذنة الشحم ينزله اللحامون والعطارون والخبازون والسمانون ومن إليهم ، حي ماذنة الشحم : الحي الذي تتفرع أزقته منطلقة على يمين القادم من باب الجابية ، وتوغل في الانطلاق حتى تتصل بحي الشاغور وغيره . أما عن يسار القادم من باب الجابية فتتفرع أسواق عديدة يصل بعضها بين هذا الشارع الطويل وبين سوق الحميدية في تعاريج وأزقة وأحيانا ( دخلات ) . وأشهر ما يتفرع عنه هو سوق ( البزورية ) . وكل هذه الأسواق والأزقة الكبير منها والصغير ، والطويل والقصير ذات طابع دمشقي أصيل يميزها عن غيرها في كل البلدان ، ويسبغ عليها من الروح الدمشقية العريقة صفاء جميلا وحلاوة طيبة . فلله تلك الدروب ابتداء من دخلة الشرفا إلى زقاق المدار إلى الشارع إلى السوق إلى ماذنة الشحم إلى سوق مدحت باشا إلى باب الجابية . إلى ما تفرع عنها وامتد منها من مسارب ومداخل ومخارج .