حسن الأمين

243

مستدركات أعيان الشيعة

ملحق بالمستدركات صلاح الدين الأيوبي قلت فيما ذكرته في ملحق المجلد الثاني من ( المستدركات ) أن صلاح الدين الأيوبي أنهى الحرب مع الصليبيين بعد معركة حطين واعترف بوجودهم فيما في أيديهم من بلاد ، وزاد على ذلك بان أعاد إليهم حيفا ويافا وقيسارية ونصف الرملة وغير ذلك حتى لقد صار لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا إلى صور ، بل صارت لهم فلسطين إلا أقل القليل ولم يكن لهم ذلك من قبل . يقول ابن شداد في كتابه ( الاعلاق الخطيرة ) وهو يتحدث عن حيفا ( ص 177 - 178 ) : « لم تزل في أيدي الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثلاثة وثمانين ، فلم تزل في يده إلى أن نزل عنها للفرنج فيما نزل عنه لهم في المهادنة التي وقعت بينه وبينهم ، وذلك سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ، ثم لم تزل في أيديهم » . وهكذا قال عن بقية المدن التي أعادها صلاح الدين إلى الصليبيين مما مر ذكر بعضه في ملحق المجلد الثاني ولا نعيده هنا . لما ذا فعل صلاح الدين ذلك ؟ لما ذا أعاد إلى الصليبيين ما استرده منهم بعد معركة حطين ؟ ! . . ذلك أن الخليفة العباسي الناصر ( 575 - 622 ) كان قد تخلص من السلاجقة واستقل بحكم الخلافة ، وأصبح يسيطر على مملكة واسعة لها قوتها وبأسها ، ولها جيشها الضخم المتحفز للقتال ، والذي انتصر على جميع المتمردين في الداخل وقمع ثوراتهم حتى لقد وصفه الشاعر ابن البنية بشعر يقول فيه : ملك إذا التطمت صفوف جيوشه أيقنت أن البر بحر مزبد انفت صوارمه الجفون فأصبحت بالنصر في قمم الخوارج تغمد والواقع أنه قد بدأ ببنيان هذا الجيش منذ عهد الخليفة المسترشد بالله ( [ 512 ] 522 - 529 ) حتى لقد بلغ تعداد المقيم منه في بغداد في عهد الناصر ( 150 ) ألفا ، وقد خاض ذلك الجيش معارك كثيرة في خلال ( 47 ) سنة هي مدة خلافة الناصر أسقط فيها دولا وأنشأ دولا أخرى ، واحتل أقطارا ومدنا وأغاث إمارات وممالك وولايات . لم تنه معركة حطين الوجود الصليبي في البلاد ، ولا كانت المعركة الفاصلة يوم ذاك ، بل ظل للصليبيين وجودهم القوي . وهنا رأى الخليفة الناصر أن ينجد صلاح الدين بما لديه من قوى كبيرة كانت كافية للقضاء نهائيا على الصليبيين ، وقطع دابرهم فأرسل إلى صلاح الدين يخبره باستعداد جيش بغداد للزحف إلى فلسطين ومعاونته على استئصال شافة الصليبيين والقضاء النهائي على وجودهم . وهنا ارتكب صلاح الدين نفس ما ارتكبه حين طلب إليه نور الدين أن يزحف بالجيش من مصر ، ويزحف نور الدين بالجيش من الشام فيحصر الصليبيين بين الجيشين ، فرفض صلاح الدين ذلك لأنه في حالة النصر على الصليبيين وزوالهم يصبح صلاح الدين تابعا فعليا لنور الدين وعاملا من عماله . أما في حالة وجود الصليبيين فهو مستقل بحكم مصر ، وليس لنور الدين عليه سلطة فعلية ، مما فصلناه فيما تقدم في ملحق المجلد الثاني من ( المستدركات ) وذكرناه كذلك في ترجمة طلائع بن رزيك في المجلد الأول ، فلا نعيد تفصيله هنا . لقد رفض صلاح الدين طلب الخليفة الناصر انجاده [ بالجيس ] بالجيش العراقي القوي لأن انتصار هذا الجيش على الصليبيين والقضاء عليهم سيقوي نفوذ الخلافة في فلسطين وبلاد الشام كلها ، ويصبح صلاح الدين مجرد وال تابع للخليفة في بغداد ، لذلك أسرع لأنهاء حالة الحرب مع الصليبيين وسلم بوجودهم وخضع لشروطهم بإعادة فلسطين كلها إليهم - ما عدا القدس - فعل كل ذلك ليتجرد لمقاتلة الجيش العراقي إذا أصر الناصر على إرسال هذا الجيش لقتال الصليبيين . وقصة طلب الناصر إرسال جيشه لقتال الصليبيين ورفض صلاح الدين لذلك ذكرها فيمن ذكرها من المؤرخين : مؤرخ هو أقرب الناس لصلاح الدين ، حتى لقد كان بمثابة ( سكرتير ) شخصي له ، هو عماد الدين الأصفهاني صاحب كتاب ( الفتح القسي في الفتح القدسي ) ، ذكر ذلك في الصفحة 176 من طبعة مطبعة الاتحاد بالقاهرة . وقد تعلل صلاح الدين في رفضه بان قواد جيشه غير موافقين على ذلك لأنهم ملوا الحرب . ولكن صلاح الدين الذي زعم أن قواده قد ملوا الحرب ، كان يعد لحرب جديدة ولكن لغير قتال الصليبيين ، ولغير تخليص البلاد منهم . لقد أعاد فلسطين إلى الصليبيين ورفض انجاد الجيش العراقي له لانقاذ