حسن الأمين
239
مستدركات أعيان الشيعة
ومحاسبته على ذلك حسابا عسيرا ، دفعا للاتهامات الواردة على الشيعة . كما أن ما ذكره الأئمة ع فيه توجيه للأمة إلى الحق في عقيدة التوحيد ، ونفي التجسيم عن ساحة عقيدتهم ، وفي كثير منها توجيه بشكل أو آخر إلى أن فعل هشام إنما كان مصطلحا خاصا به ، وأن إطلاقه كلمة « الجسم » كان على خلاف رغبة الشارع وإذنه ، دون أن يكون له قول بالتجسيم الحقيقي . ومهما يكن سبب تصرف هشام هذا ، وسبب صدور هذه المقولة منه ، فان تسبيبها لمشاكل على الطائفة مما لا يرتاب فيه ، وهي زلة منه بلا ريب . إلا أن من الأعلام من يعتقد أنه قد رجع حتى عن التجسيم بالاسم . قال الشيخ المفيد : وقد روي أنه رجع عن القول بعد ذلك ( 1 ) وقال الكراجكي : وأما موالاتنا هشاما فهي لما شاع منه واستفاض من تركه القول بالجسم الذي كان ينصره ، ورجوعه عنه ، وإقراره بخطئه فيه ، وتوبته منه ( 2 ) وقد يؤيد هذا بما روي عن هشام بن الحكم أنه سال أبا عبد الله ع عن أسماء الله عز وجل واشتقاقها ؟ فقال له : « الله » مشتق من « إله » و « إله » يقتضي مالوها ، والاسم غير المسمى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا ، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد الاثنين ، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك « التوحيد » . ) * أفهمت يا هشام . ) * قال : قلت : زدني . ) * قال : لله عز وجل تسعة وتسعون اسما ، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها هو إلها ، ولكن الله عز وجل معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره . ) * يا هشام ، الخبز اسم للمأكول ، والماء اسم للمشروب ، والثوب اسم للملبوس ، والنار اسم للمحرق . ) * أفهمت يا هشام فهما تدفع به عنا وتنافر أعداءنا والملحدين في الله والمشركين مع الله عز وجل غيره . ) * قلت : نعم . ) * فقال : نفعك الله به ، وثبتك ، يا هشام . ) * قال هشام : فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حينئذ حتى قمت مقامي هذا ( 3 ) ولا يظن بهشام : أن يكون بعد هذا الحديث الشريف ممن يصر على القول في التجسيم بمصطلحه الخاص ، أي التجسيم اللفظي الاسمي . وكذلك دعاء الامام ع له بالثبات ، فان ذلك لا يمكن أن يكون لمن يخالف النصوص ويلتزم بالتجسيم اللفظي المخالف لمسألة توقيفية الأسماء ، كما شرحناه . مضافا إلى أن ما ورد في مدح هشام على لسان الأئمة والعلماء حتى المعاصرين يدل على عظمة هشام ، وقوته في العلم والعمل ، بما لا يصح معه فرض مخالفته في أمر الأسماء إلى حد العتاب ! فهذا المدح يكشف عن رجوعه إلى الحق حتى في أمر الأسماء ، ذلك الموضوع الذي أدى إلى حزازة استنكرت على هذا المفكر العملاق ، فبرأ بالتوبة المنقولة ساحته عن كل تهمة وشبهة . وقد أفصحت نصوص مادحة له عن أكثر من ذلك : فقد قال المفيد : هشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد ع ، وكان فقيها ، وروى حديثا كثيرا ، وصحب أبا عبد الله ع وبعده أبا الحسن موسى ع ، وبلغ من مرتبته وعلوه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد ع ، أنه دخل عليه بمنى ، وهو غلام ، أول ما اختط عارضاه ، وفي مجلسه شيوخ الشيعة . . . فرفعه على جماعتهم ، وليس فيهم إلا من هو أكبر سنا منه ، فلما رأى أبو عبد الله ع أن ذلك الفعل قد كبر على أصحابه قال : هذا ناصرنا بقلبه ، ولسانه ، ويده ( 4 ) وروى المفيد عن الصادق ع أنه قال لهشام : مثلك من يكلم الناس ( 5 ) وقال المرتضى : ومما يدل على براءة هشام من هذه التهم : . . . ما روي عن الإمام الصادق في قوله ع : هشام بن الحكم رائد حقنا ، وسابق قولنا ، المؤيد لصدقنا ، والدامغ لباطل أعدائنا ، من تبعه وتبع أثره تبعنا ، ومن خالفه ، وألحد فيه فقد عادانا وألحد فينا ( 6 ) وقال ابن النديم : هشام بن الحكم . . . من جلة أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد ع ، وهو من متكلمي الشيعة الإمامية ، وبطائنهم ، وممن دعا له الصادق ع ، فقال : أقول لك ما قال رسول الله ص لحسان ، لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك « ( 7 ) وفي هذا الحديث إيماء إلى زلة هشام في مسألة اللفظ ، التي تبرأ منها برجوعه ويدل على ذلك بوضوح ما قاله زميله علي بن إسماعيل الميثمي - لما بلغه مطاردة الخليفة هارون العباسي لهشام - : إنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما يمضي من العلم إن قتل ، فلقد كان عضدنا وشيخنا ، والمنظور إليه بيننا ( 8 ) ولئن استغل الأعداء بعمد ، وبعض المغفلين من دون قصد ، ظاهر المقولة في التهجم على هشام ، فالأمل أن نكون قد وفقنا في هذا البحث لأن نبدي جانبا من عظمة الرجل ، وبراءته من كل ما اتهموه به ، بشرحنا للمقولة ، على مصطلحه .
--> ( 1 ) الحكايات : 131 . ( 2 ) كنز الفوائد - للكراجكي - : 197 . ( 3 ) التوحيد - للصدوق - : 220 ح 13 . ( 4 ) الفصول المختارة : 28 . ( 5 ) تصحيح الاعتقاد : 218 ، والشافي - للمرتضى - : 12 . ( 6 ) الشافي - للمرتضى - : 12 ، ومعالم العلماء : 128 رقم 862 . ( 7 ) الفهرست - للنديم - : - التكملة - : 224 ، وانظر : الشافي - للمرتضى - : 12 . ( 8 ) اختيار معرفة الرجال : 263 رقم 477 .