حسن الأمين
234
مستدركات أعيان الشيعة
البداية ، أليس هو الذي ينفي كل شبه بين الخالق والمخلوق في مقولته : « جسم لا كالأجسام » ! التي هي أشهر ما نقل عنه في هذا المجال ؟ ! 2 - قوله : وأدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادي لله ، ما ذكره علي بن إبراهيم القمي . . . أقول : فلما ذا لم يعتمد الكاتب وأمثاله على هذه الرواية لتكون أساسا واضحا لرأي هشام في التجسيم ، فينفوا عنه التجسيم المعنوي مطلقا ، وهو مدلول مقولته « جسم لا كالأجسام » كما أوضحناه ؟ ! والكاتب لم يهمل هذه الرواية فقط بل خالفها ونسب إلى هشام القول بان « المادة المعينة إلهية » لا تدرك بالحواس ، كما نقلنا كلامه عن مجلة « الايمان » النجفية . 3 - قوله : وقد حاول الشيعة - قدماء ومحدثين - أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسمية ، بكل ما أوتوا من قوة ، غير أن الحجة أعيتهم ! أقول : إن الكاتب لم يحاول - أولا - إثبات القول بالجسمية على هشام من طريق الشيعة ، حتى تصح له مطالبتهم بحجة على النفي . فانا لم نجد عند الشيعة نسبة التجسيم المطلق إلى هشام وأنه قال بالجسمية المعنوية ، حتى يحتاجوا في نفيها عنه إلى حجة ، بل غاية ما في الأمر أن الخصوم - وخاصة المعتزلة - اتهموا هشاما باشكال من التجسيم ، وقد يتناقضون في ما نسبوه إليه ، وإن كان أقوى وأصرح ما نسبوه هو القول « بجسم لا كالأجسام » . وقد أجمع كافة أهل الفرق على عدم دلالة ذلك على التجسيم المعنوي ، بل غاية ما يفيده هو التجسيم اللفظي والاسمي ، كما فصلناه . فمن أين جاء جزم الكاتب وأمثاله بثبوت القول بالتجسيم لهشام ، حتى يحتاج لنفيه إلى حجة ؟ ! 4 - قوله : ومن هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسمية . أقول : هذا من موارد تحريف الكاتب وأستاذه للحقيقة ، حيث نقلوا عن الشيخ المفيد هذا الاعتراف ، بينما كلامه لا يدل على ذلك ، فهو في هذا الصدد يقول : وإنما خالف هشام بن الحكم كافة أصحاب أبي عبد الله ع بقوله في الجسم ( 1 ) ومعناه : أن لهشام قولا في « الجسم » مخالفا به الآخرين ، وهذا القول في الجسم ، هو ما اصطلحه فيه من إرادة « الشيء » منه . فأين هذا من القول بالجسمية ؟ ! وإذا كان النشار - المصري ، أستاذ الكاتب - إلى هذا الحد من الجهل باللغة العربية ، فليس له الحق بالتدخل في معالجة كلمات العلماء ، فهو لا يميز الفرق بين « القول في الجسم » و « القول بالجسم » ! 5 - قوله : وقرن الشيعة ذلك بحكايتهم رجوع هشام عنها ، وكان ذلك غاية ما بذلوه من جهد . أقول : إن حكاية الشيعة للرجوع ليس لما توهمه الكاتب من ثبوت اعتقاد هشام بالتجسيم ، وإنما ذلك من جهة مخالفة هشام للحق في ما التزمه بالنسبة إلى إطلاق اسم الجسم على البارئ ، مع أنه لم يرد ذلك في الشرع ، فأسماء الله تعالى توقيفية . كما سيأتي بيان ذلك في الفقرة التالية . 6 - قوله : وذكر الشيخ عبد الله نعمة . أقول : قد ذكرنا ملاحظاتنا على أقوال الشيخ ، في كتابه . 7 - قوله : وكذلك فعل الدكتور . . . أقول : لم يكن هذا الدكتور بصدد التحقيق والتدقيق فيما يثبته ، بل هو يحاول جمع ما في المصادر وسردها تباعا من دون نقد لها ، فليس ذكرها دليلا على قبول أو رد . 8 - قوله : وقد أخذ الأستاذ توفيق الفكيكي . . . أقول : يكفي في فضل الأستاذ الفكيكي أنه قد نبهك على بعض أوهامك ، وخاصة في نسبتك إلى الشيخ المفيد الاعتراف بان هشاما قال بالجسمية ، ولكنك أبيت التنبه إلى أن المفيد لم يعترف بمثل ذلك ، وأنه إنما نسب إلى هشام خلافا في التجسيم اللفظي فقط . ولقد تقاعست عن الرجوع إلى المصادر إلى حد أنك تقول : من الغريب أن تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة ، وإنما فعل ذلك أهل السنة ، فأبو الحسن الأشعري ، وابن حزم الظاهري ، قدما المادة الكلامية لهذه البراءة ! إن تهمة التجسيم ، وبالصورة التي نسبتها أنت وسلفك العامة إلى هشام ، لم ترد في شيء من المصادر الموثوقة عند الشيعة ، حتى يكونوا بحاجة إلى نفيها ، فأنت تغالط بهذه العبارة ، وتريد أن تظهر أن الشيعة قد وافقوا على أصل التهمة ولكنهم لم ينفوها ! بل تزعم أن الشيخ المفيد اعترف بها ! وكأنك قد فرغت من هذا الإثبات وأنت منتظر للنفي منهم . كلا ، فان من أثبت التهمة ضد هشام ليس إلا خصومه ، ممن لم يتقوا الله في شيء ، وليسوا أمناء على شيء ، بل كلماتهم متضاربة ومتناقضة إلى حد السقوط ، ولم يثبت شيء من تلك الاتهامات ضد هشام بطريق واحد من علماء الشيعة ، سوى أنه أطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » التي لم تدل على ما نسب إليه ، بل دلت على التنزيه والتوحيد . وقد اعترف جميع أهل المقالات بان المقولة لا تدل على التجسيم المعنوي المؤدي إلى الكفر ، وفي مقدمتهم كبار الشيعة القدماء ، وأعاظم الشيعة المتأخرين . فظهر أن المادة الكلامية لبراءة هشام موجودة في مقولته ، وفي اصطلاحه في « الجسم » أنه بمعنى « الشيء » وليس أول من قدمها هم العامة ، بل إنهم هم أول من قدم التهمة ضد هشام وأعلنوها عليه حربا شعواء ، مبناها الاتهام الباطل ، والتحريف للحقائق . وإذا وجب أن يحاسب أحد في هذا المجال ، فهم هؤلاء الذين ملأوا صحفهم باتهام هشام ، وذكروا في حقه خرافات لا يفوه بها ملي فضلا عن مسلم موحد مثل هشام ، مع وقوفهم على مصطلح هشام في « الجسم » الذي يصلح أساسا لبراءته عن وصمة « التجسيم » . ولو كانوا يعتقدون - حقا - ببراءة هشام ، لما تناقلوا كل تلك الاتهامات الشنيعة ، أو لتراجعوا عنها بكلمة .
--> ( 1 ) الحكايات : 131 .