حسن الأمين

232

مستدركات أعيان الشيعة

كما أن العلم والحركات أجسام لا تلمس . إن الاشكال على التجسيم هو أن مقتضاه العرفي أن تكون للجسم أبعاد ثلاثة على الأقل : الطول والعرض والعمق ، أو التأليف والتركيب والتجزي ، وهذا هو الجسم باصطلاح المجسمة والمعتزلة ، على ما عرفت . ولو اعتبرت الجسمية أمرا عقليا ، كان هذا اصطلاحا آخر في الجسم فلا بد له من دليل اعتبار . والكاتب كما أنه لم يذكر دليلا على هذا الاعتبار والاصطلاح فهو لم يذكر قبل ذلك واحدا من المصادر كان قد ذكر ذلك منسوبا إلى هشام . وإذا جعل الكاتب هذه النتيجة حتمية على أساس المقدمات السابقة وخاصة أن هشاما يرى أن الحركات أجسام ، فقد عرفت عدم صحة نسبة شيء من تلك المقدمات إلى هشام ، خاصة هذه المقدمة ، فإنه خالفها بالقطع ! مضافا إلى أن أساس هذا التفسير لنظرية هشام هو أنه يرى من ذات البارئ « مادة معينة » وهو ما لم يقله هشام ، بل ينافي مقولته منافاة قاطعة ، كما سيأتي . وهذا بخلاف ما التزمناه من اصطلاح هشام في « الجسم » بمعنى « الشيء » فمضافا إلى شهرته عنه ، وإقامته الدليل عليه ، كما سبق أن فصلناه ، فهو بمعنى « شيء لا كالأشياء » المقولة التي التزمها كل المسلمين - عدا الشاذين - وهو يعبر عن مجرد وجود الذات الإلهية ، منزها عن كل خواص الأجسام ، فهو خارج عن حد التعطيل وحد التشبيه ، كما قلنا . 7 - التعليل بان الله تعالى « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماما كما هو « عالم بعلم ، وعلمه ذاته » التي يستشهد بها المعتزلة دليلا على التجريد والتنزيه . . . أقول : هذا التعليل منقول عن هشام في إلزام أبي هذيل العلاف ، كما نقله الشهرستاني ، قال : هشام بن الحكم ، صاحب غور ( 1 ) في الأصول ، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فان الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، ودون ما يظهره من التشبيه ، وذلك أنه ألزم العلاف ، فقال له : إنك تقول : البارئ تعالى « عالم بعلم ، وعلمه ذاته » فيشارك المحدثات في « أنه عالم بعلم » ويباينها في « أن علمه ذاته » فيكون « عالما لا كالعالمين » فلم لا تقول : « إنه جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » وله « قدر لا كالأقدار » إلى غير ذلك ( 2 ) بيان الإلزام في هذا الكلام : أن أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بان الله يعلم الأشياء بعلم هو ذاته ( 3 ) ولكن هشاما يقول : إن الله يعلم الأشياء بعلم ، وعلمه صفة له ، ليست هي هو ، ولا غيره ، ولا بعضه ( 4 ) فاختلفا في أن علم الله عين ذاته ، كما يقول العلاف ، أو صفة للذات ، كما يقول هشام . فإذا كان علم الله عين ذاته ، اختلف عن علم المخلوقين لأن علمهم صفة لهم ، فإطلاق « عالم » على البارئ يختلف عن إطلاق « عالم » على المخلوقيين ، لاختلاف « العلم » بالحقيقة في الموردين ، والحاصل أن كلمة « العلم » عند إطلاقها على البارئ تعالى ليست بمعنى العلم المفهوم عند المخلوقين ، بل معناه أمر آخر خاص بالله تعالى ، ومع هذا يصح إطلاق « عالم » على البارئ تعالى ، إلا أنه لا بد أن يقال : « لا كالعالمين » حتى ينفي عنه أي شبه بالمخلوقين في علمه وعالميته . فإن كان هذا التغيير في معنى « العلم » والاصطلاح على إرادة الذات منه ، كافيا لصحة إطلاق اسم « عالم » عليه ، فليكن إطلاق « جسم » عليه تعالى كذلك ، بصرفه عن معناه اللغوي العرفي ، وإرادة أصل « الشيء » و « الموجود » منه صحيحا ، فيقال : إنه « جسم لا كالأجسام » . وإن لم يكن هذا التواضع كافيا ، فلا بد أن لا يصح « عالم لا كالعالمين » ! ! فالعلاف إما أن يلتزم بكون علم الله ليس عين ذاته بل هو صفة مثل علم سائر العالمين ، فهو تنازل عن رأيه في العلم ! أو يلتزم بإطلاق « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى من دون حرج ، وهذا اعتراف بصحة مقولة هشام في الجسم ! وقد عرف من شرحنا هذا أن هشاما لا يمكن أن يقيس مقولته « جسم لا كالأجسام » على قول العلاف « عالم بعلم ، وعلمه ذاته » ! وذلك : 1 - أن هذا مخالف لرأي هشام في العلم ! 2 - أن هذا ليس فيه أي إلزام على العلاف ، فكيف يذكره الشهرستاني بعنوان أنه إلزام ! كما عرف من خلال حديثنا أن قول : « عالم بعلم ، وهو ذاته » ليس من كلام المعتزلة كلهم بل هو من كلام العلاف فقط ! وقد خالفه فيه هشام وجماعة من المعتزلة أيضا . 8 - فأي ضير - بعد - في أن يكون هشام مجسما عقليا ، يقدم الدليل على أن « المادة المعينة » إلهية ، لا تدرك بالحواس ؟ وأين الاشكال إذن . أقول : إن كان المراد من التجسيم العقلي ، هو التجسيم المادي ، لكون الذات الإلهية عنده مادة معينة لا تدرك بالحواس ، كما هو صريح كلامه هنا ، وهو الأمر المبني على المقدمات التي ذكرها الكاتب ورتبها للتوصل بها إلى هذه النتيجة ! فهذا ما لم يقله هشام ، بل هذا معارض لما في مقولته من التجريد والتنزيه عن كل خواص الأجسام ، ومنها « المادة » . مع أن تلك المقدمات غير تامة ، كما سبق أن قلنا . وأما الضير في هذه التهمة ، فلا يتجه منه إلى هشام أي سوء ، لأن

--> ( 1 ) كذا بالغين المعجمة في طبعة المصدر ، الموجودة بهامش الفصل ، لكن المطبوع في المصدر الذي راجعناه « عور » بالعين المهملة ، فهل هو خطا مطبعي ؟ ! ( 2 ) الملل والنحل 1 / 185 . ( 3 ) مقالات الإسلاميين 1 / 225 و 243 . ( 4 ) مقالات الإسلاميين 2 / 163 .