حسن الأمين
21
مستدركات أعيان الشيعة
من البر أثناء رحلته إلى رأس الرجاء الصالح ، وإنما أبحر رأسا من البرتغال إلى جزائر الرأس الأخضر Gape Verde Islands ومنها اتخذ لنفسه طريقا في وسط المحيط الأطلسي ما بين جزيرة اسنشن Ascension Island والبرازيل ، تجنبا للرياح العنيفة عند السواحل الإفريقية . ولما ظن أنه أصبح بمحاذاة رأس الرجاء الصالح ، بعد سفر استغرق ثلاثة أشهر لم ير البر خلالها ، اتجه نحو الشرق ، ولكنه أخطا التقدير ، فقصر عن بلوغ هدفه بمسافة غير كبيرة نسبيا . وعند ما اقترب من البر ، تعرض لعاصفة شديدة ، أشرف من جرائها على الغرق . فتذمر رجاله ، وطالبوه بالعودة إلى البرتغال ، ولكنه أصر على مواصلة السفر ، وهدد كل من يتحدث عن العودة بإلقائه في البحر ، فتامر بعض بحارته على التمرد وإلقاء القبض على قادتهم وسجنهم ، والعودة بالسفن إلى البرتغال ، غير أن أحد المتأمرين وشى بزملائه ، فالقى دي جاما القبض على قادة المتأمرين وسجنهم . وأخيرا ، وبعد جهود مضنية ، استطاع الوصول إلى رأس الرجاء الصالح . ومع أن المسافة بينه وبين نهر البرتغال ، لا تزيد على ثلاثة وثلاثين فرسخا ، فقد استغرق اجتيازها أسبوعا كاملا ، من 16 إلى 22 نوقمبر . ثم جاء بعده بيدرو الفارس كبرال Pedro Alvarez Cabral وكان معه عدد من القادة المجرمين من ضمنهم برثلميو دياز ، مكتشف رأس الرجاء الصالح ، وكثيرون ممن رافقوه ، أو رافقوا دي گاما . وحاول كبرال أن يستفيد من تجارب سلفيه ، دياز ودي گاما ، فابحر رأسا إلى جزر الرأس الأخضر ، ومن ثم اتخذ الطريق التي اتخذها قبله دي گاما ، وسط المحيط الأطلسي . ولكنه بالغ في التطرف نحو الغرب ، فاكتشف ساحل البرازيل عن غير قصد . ثم اتجه رأسا إلى رأس الرجاء الصالح ، فلما اقترب منه صادفته عواصف هوجاء ، أغرقت أربعا من سفنه ، وكان برثلميو دياز نفسه من بين الغرقى . تلك هي طبيعة الأنواء في رأس الرجاء الصالح ، كما وجدها رواد الكشوف الاستعمارية البرتغاليون ، ولا أدري إذا كانت تغيرت الآن ، فأصبح أي ربان ماهر يستطيع أن يدور حول هذه الرأس ، محتضنا الساحل طول الوقت ، أم لا ؟ . ولكن ما ذا يعني صاحب تلك النصيحة ، كائنا من كان ب « الساحل من ذلك المكان » . إذا كان يعني به الساحل الإفريقي الغربي ، أو أي جزء منه ، أو رأس الرجاء الصالح ، فقد جاءت نصيحته متأخرة جدا . لأن فاسكو دي گاما ، كان على علم تام بها قبل سماعها منه ، وقد سبق أن طبقها عمليا ، كما رأينا ، تطبيقا كاملا ، عن وعي وإدراك ، فلم يقترب من الساحل إلا في المرحلة الأخيرة لخطأ في التقدير . ومع ذلك فحتى تلك المسافة القصيرة التي بقي عليه أن يقطعها حتى يصل إلى رأس الرجاء الصالح ، لم يحاول اجتيازها عن طريق الملاحة الساحلية ، وإنما كان يخرج إلى عرض البحر أولا ، ثم يقوم بمحاولاته لاجتيازها . وقد فعل ذلك مرة بعد أخرى . وعلى الرغم من فشله المتكرر في محاولاته الأولى ، فإنه لم يجرب الملاحة الساحلية لقطع تلك المسافة . وإذا كان يعني ب « الساحل من ذلك المكان » ، السواحل الإفريقية الشرقية ، فان الوصول إلى أي من موانئها في الأحوال العادية ، لا يستلزم الابتعاد عن الشاطيء ، واتخاذ مثل تلك الاجراءات التي يوصى بها . وقد جرب فاسكو دي گاما ذلك بنفسه . أما إذا كان يعني به الطريق من ملندي إلى كليكوت ، فهناك ثمة طريقان طريق ساحلي ، يساير السواحل الإفريقية إلى رأس حافون ، بل إلى باب المندب ، ومنه إلى عدن ، ثم يسير محاذيا لسواحل الجزيرة العربية إلى رأس الحد ، وينعطف شمالا إلى رؤوس الجبال عند مضيق هرمز ، فيعبر البحر إلى الضفة الشمالية من المضيق ، وينعطف شرقا فيساير السواحل الفارسية فالمكرانية ، حتى سواحل السند الشمالية . أما إذا كان هدف الرحلة في جنوب الهند ، كما كان الأمر بالنسبة لفاسكو دي گاما ، فيجب أن يواصل سيره فيقطع السواحل الهندية الغربية من الشمال إلى الجنوب . ومن الممكن اختزال هذا الطريق بعض الشيء ، بالانتقال من رأس حافون إلى جزيرة سقطرة ، ومنها إلى سواحل الجزيرة العربية ، ثم من رأس الحد إلى سواحل السند . وهذا الطريق في حالتيه شاق وطويل ولا تسلكه في العادة حتى السفن المتجهة إلى شمال الهند . ولكن السفر فيه لا يستلزم الابتعاد عن الساحل والإيغال في البحر . وقد شاهدت في جنوب الجزيرة اعدادا غير يسيرة من السفن ، على مقربة من الساحل ، وهي في طريقها من البحر الأحمر ومن إفريقية الشرقية ، إلى الخليج العربي . أما الطريق الأخرى ، فتتجه من ملندي رأسا ، عبر المحيط ، إلى الميناء الهندية المعنية . ولكن ليس ما يدعو إلى تطبيق تلك النصيحة : « لا تقربوا الساحل من ذلك المكان ، وتوغلوا في البحر ، ثم عودوا ، فلا تنالكم الأمواج بالنسبة إليها . والأرجح أن النهروالي ترامت إليه أصداء بعيدة مشوشة ومختلطة عن وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي فاستغلها ، دون تمحيص في تلفيق هذه الحكاية السخيفة ، للتشهير بأحمد بن ماجد ، لغاية في نفسه . وجاء فران انتشر كتاب النهروالي « البرق اليماني » انتشارا واسعا ، فقل أن تخلو مكتبة عامة في العالم العربي منه ، في مصر والحجاز والعراق . أما في تركية فيوجد في مكتبات اصطنبول العديد من نسخه ( 1 ) وقد نقله إلى التركية مصطفى بن محمد المعروف بخسرو زاده ، المتوفى سنة 998 ه . ومع ذلك فان أحدا من المؤرخين الذين جاؤوا بعد النهروالي ، عربا وغير عرب ، ممن اهتموا بتاريخ تلك الفترة ، والصراع العربي البرتغالي في المحيط الهندي ، لم يهتم باسطورة النهروالي ، أو يعيرها التفاتا . حتى الذين اعتمدوا على كتابه من هؤلاء المؤرخين عندما عنوا بالكتابة عن تصدي الغوري لقرصنة البرتغاليين وتوجيهه حملة حسين الكردي ضدهم ، كابن العماد الحنبلي ، أهملوا الإشارة إلى أسطورة النهروالي إهمالا تاما ( 2 ) ولهذا الإهمال دلالته المعبرة ولا شك . ثم جاء المستشرق فران Ferrand في سنة 1922 م فباضت تلك الأسطورة وفرخت على يده . كانت كما وضعها النهروالي ، مجرد نصيحة من شخص سكران ، وهو أحمد بن ماجد ، زعموا ، لكبير الفرنجة « الملندي » أما متى وأين أدلى هذا السكران بتلك النصيحة ، ومن هو هذا « الملندي » الذي ألقيت إليه ، فأمور على أهميتها ، لم يكن النهروالي ليهتم بها . فلما جاء فران استكمل تلك النواقص الهامة ، فحدد مكان اللقاء في
--> ( 1 ) الجاسر ص 69 . ( 2 ) شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، ط مصر ، 1351 ج 8 ص 115 .