حسن الأمين

209

مستدركات أعيان الشيعة

إلى مجلس أولئك الاثني عشر العظام . أقبل إلي وجرني جرا عنيفا بمنتهى الشدة إلى مجلسهم ذاك ، وأوقفني مواجها لهم . فلما وقع نظر ذلك العظيم الذي نطقني بالسيف علي عبس ، وقال : جرد هذا الذي لا كفاءة له من السيف لأنه ليس أهلا له . وعبثا حاولت الاحتفاظ بالسيف ، وانتزع مني جبرا ، ثم طردوني . فانا لا أستطيع استقرارا ولا طمأنينة منذ استيقظت من النوم . فلو أني ذهبت إلى قلعة كلات وقضيت فيها يومين أو ثلاثة ، ولم يحدث شيء ، لزال عني الكدر وعاودني السرور « . فنصحه صاحبه بان لا يخاف من هذا المنام ، وطمانه إلى أن لا مجال للمقارنة بينه وبين أعدائه . فهم مقهورون لا استقرار لهم . وقال : إن قلعة كلات قريبة ، ولا بأس عليك من أي طريق سلكتها إليها . فقال له نادر : ما أعرفه أنا لا تعرفه أنت ولا غيرك . ثم دخل إلى حرمه لينام في خيمة إحدى زوجاته ، اسمها « جوكي » ( شوقي ) وهي قاجارية . وقال لها : إن النعاس غلب علي . ولكني لا أستحسن النوم . فإذا رأيتني استغرقت في النوم فايقظيني . ثم أغفى . وكان رؤساء الأفاغنة على أهبة الاستعداد ينتظرون يوم الغد . ولكن حديث نادر إليهم علم به جاسوس عليه ، فنقله إلى عدويه « محمد قلي خان أفشار » قائد الحرس الملكي و « صالح خان » قرقلو أفشار « مدير شؤون البلاط . فتعاهدا على أن يقضيا على عدوهما المشترك ليلا ، وأن لا يتخلى أحدهما عن الآخر ، وكتبا بذلك عهدا خطيا . ثم عرضا الأمر على بعض من يثقون بهم من أصدقائهم فوافقوهم ووقعوا على وثيقة العهد ، وفيهم واحد قاجاري واثنان أفشاريان . ثم عرضوا الوثيقة على ستين رجلا من رفاقهم من رجال البلاط فوقعوا عليها وتهيئوا جميعا لقتل نادر . وفي تلك الليلة ، ليلة الأحد 11 جمادى الآخرة سنة 1160 هدخلوا بعد منتصف الليل إلى مخيم حرمه . وكان أول الداخلين « صالح خان أفشار » و « محمد خان قاجار » . ووجد صالح حارسا هناك فبادر إليه فأطبق بيده على فمه وأمسك به وقال له : إن أنت دللت على الخيمة التي ينام فيها نادر نجوت وإلا خنقتك . فأشار الحارس بعينيه إلى خيمة « جوكي » . عندئذ خنقوا الحارس وتقدموا إلى الخيمة . ولكنهم لم يجرؤا ، أول الأمر ، على دخولها رهبة وتهيبا . ثم تجرأ « محمد خان قاجار » و « صالح خان » وبضعة رجال آخرين على التقدم ، فشقوا الخباء بخنجر ودخلوه . وكانت « جوكي » زوجة نادر مستيقظة . فلما رأت سوادهم أمسكت برجل الشاه وهزته ، فهب واقفا . ولما وقع نظره على « صالح خان » شتمه وجرد سيفه وهجم عليهم فقتل اثنين منهم . ولكن قدمه عثرت بطنب الخيمة فوقع على الأرض . وقبل أن يتمكن من النهوض عاجله « صالح خان » بضربة سيف وقعت على كتفه فقطعت يده . ووقف صالح مدهوشا لا يجرؤ على الاجهاز عليه . فتقدم « محمد خان قاجار » إليه واحتز رأسه . وأمر صالح حملة البنادق من رجاله أن لا يسمحوا لأحد من حرس المعسكر بترك مكان حراسته ولا يجيزوا لأحد الدخول إلى الحرم ولا الخروج منه . فان خالفهم أحد قتلوه ، ليبقى الحادث مكتوما إلى الصباح . وأغار الجناة على حرمه فنهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم من الجواهر . وأسرعوا من الحرم إلى خيام وزرائه ، وكانوا ثلاثة ، فقتلوا اثنين منهم . ومع كل الاحتياطات التي اتخذها المتأمرون فان الخبر ذاع في تلك الليلة نفسها ، ولكن لم يصدق . وفي الصباح ، إذ صح الخبر ، أخذ الناس وجنود « قزلباش » وغيرهم ينهبون المعسكر وينصرفون إلى بلادهم . فما حان وقت الظهر من ذلك اليوم حتى كان المعسكر وما فيه من أثاث أثرا بعد عين . أما حرس المعسكر من الأفاغنة فإنهم لما سمعوا بالخبر انطلقوا إلى الخيمة التي قتل فيها نادر فوجدوا ستة آلاف جندي من « قزلباش » يسدون عليهم الطريق ، ثم انضم إلى « قزلباش » أربعة آلاف جندي آخرين . ولكن الأفاغنة استطاعوا أن يجدوا لهم طريقا إلى داخل الخيمة . فلما رأوا جثة نادر أخذهم الأسف والياس ، ثم خرجوا فتلقاهم جنود « قزلباش » بالحرب ، ودارت معركة سال فيها كثير من الدماء ، استطاع الأفاغنة بعدها الخلاص فانطلقوا نحو « قندهار » . وهكذا كانت عاقبة رجل من أعظم الرجال في تاريخ إيران . يقول « السير جان مالكم » : « لم يبلغ أحد من سلاطين آسيا إلى عظمة هذه الفتوحات . والنصر الذي أحرزه في الهند جدد عزة إيران ورفعتها القديمين ، وأعلى صوت أبنائها . وزاد فتحه بخارى في قوة الملك والأمة وأبعد صيتهما . وما أبداه من كرم في وهبه التاج لشاه بخارى وسلطان الهند يدل على أنه كان يعتقد أن عماد اقتداره إنما هو في صيت السيف وحسن التدبير ، لا في سعة الملك وبسط السلطان » . وقائع وعبر وكان « علي قلي خان أفشار » ابن أخي نادر يقيم في « سيستان » مع المتمردين على عمه . وقد سبق أن طلب التاج لنفسه . فلما بلغ إليه خبر مقتل نادر أعلن نفسه ملكا على إيران وسار إلى مشهد . وانضم إليه عسكر « قزلباش » والأفشاريون . فلما وصل إلى مشهد جلس على عرش السلطنة في 27 جمادى الآخرة سنة 1160 ه‍ ، أي بعد مضي 16 يوما على مقتل نادر . ثم بعث بحملة من البختياريين إلى « كلات » حيث يقيم أبناء نادر شاه . فحاصروها ثم احتلوها . وقبضوا على أولاد نادر وأحفاده . فأمر « علي قلي خان » بقتلهم . فقتلوا كلهم ، وفيهم خمسة أطفال أعمارهم بين الرابعة والثانية عشرة ، وفيهم « رضا قلي ميرزا » ابن نادر شاه الأعمى مع ثمانية عشر شخصا من أبنائه وأحفاده ، ما بين طفل وشاب . ولم يبق على أحد منهم سوى « شاه رخ ميرزا » ابن « رضا قلي ميرزا » ، وكان في الرابعة عشر ، وضعه سرا في السجن وأشاع أنه قتل . وقد استحياه ليتدبر عاقبة أمره على هذا النحو : إن استتب له الملك ورضي به الناس قتله . وإن رفضه الناس ولم يستو أمره أخرج شاه رخ من السجن وأجلسه على العرش ونصب نفسه وصيا عليه ونائبا عنه ، لظنه أن الناس لن يرفضوا ملكا من سلالة نادر . وساير الشاه الجديد « محمد قلي خان أفشار » رئيس حرس نادر الخاص ورأس المؤامرة عليه ، وتلطف به مدة ، ثم اعتقله وسلمه إلى نساء حرم نادر فقطعنه قطعة قطعة ! ولكن « علي قلي خان أفشار » ، وقد أصبح يدعى « علي شاه » لم يلبث أن خرج عليه أخ له اسمه « إبراهيم خان » وطالب بالتاج لنفسه ، وأعلن الحرب على أخيه ، فهزمه وقبض عليه رجال « إبراهيم خان » فاعموا عينيه وقيدوه وسلموه إلى أخيه . ثم اتفق أهالي مشهد ورؤساء العسكر في خراسان على مبايعة حفيد