حسن الأمين
198
مستدركات أعيان الشيعة
التي نصبت له ، وخرج نادر نفسه إلى خارج الخيمة لاستقباله ، ووضع يده في يده ودخل به إلى الخيمة فأجلسه إلى جانبه . وبعد المجاملات أخذ نادر يوبخه على معاملته السيئة له ولسفرائه ، ويلومه على ضعفه وإهماله شؤون مملكته ، ثم قال له : لن أسلب منك ملك الهند . ولكنك ، إذ اضطررتني بلا مبالاتك وأثرتك إلى قطع طريق طويلة وبذل نفقة فاحشة ، وكان جيشنا منهكا بالسير ، يعوزه الطعام وغيره من اللوازم ، أرى من الضروري حضوري إلى عاصمة الهند والإقامة فيها بضعة أيام يرتاح فيها الجيش ونتسلم عوض خسارات الحرب كما تم الاتفاق . ثم أدعك وشانك تتدبر أمورك . ثم تناولا الطعام معا . وأعطى نادر « محمد شاه » صحفة طعامه بعد أن أكل منها شيئا وأخذ صحفته ليطمئنه إلى أن الطعام غير مسموم . ثم أعيد إلى معسكره محروسا بحرس نادر . دخول دهلي وفي غرة ذي الحجة سنة 1151 هسار نادر شاه وأمبراطور الهند من « كرنال » قاصدين العاصمة « دهلي » . وكان موكب نادر يتقدم موكب « محمد شاه » بما يقرب من ثلاثة كيلو مترات . وتوقف نادر شاه في ضواحي « دهلي » في « باغ شليمار » حيث فرشت طريقه إليها بالنفيس من المفروشات ، وأعد مكان إقامته فيها بتجهيزات بلغت غاية الفخامة والأبهة . وسبقه « محمد شاه » إلى « دهلي » لاعداد وسائل الضيافة . وفي التاسع من ذي الحجة سنة 1151 هسار نادر من « باغ شليمار » إلى « دهلي » فدخلها في ذلك اليوم في موكب عظيم من الفرسان والمشاة عليهم الألبسة المزينة الفاخرة ومظاهر الخيلاء والزهو . ودخل نادر من [ الياب ] الباب الخاص بالملوك لا يفتح لغيرهم ، وأطلقت المدافع تحية له . وأنزل في القلعة الخاصة بسكنى « محمد شاه » زيادة في تعظيمه وتكريمه . ثم سلم حاكم المدينة مفاتيح خزائن المملكة ومفاتيح قلاعها ومخازنها إلى موفد نادر شاه ، وقدمت إليه هدايا غالية . وأعلن هو أن يلتزم بكل ما عاهد عليه « محمد شاه » في « كرنال » ، ومن ذلك إبقاؤه على عرش الهند . فشكره « محمد شاه » وقدم إليه كل ما في الخزائن الملكية من جواهر وأثاث وذخائر أسلافه من السلاطين . وأمر نادر شاه قواده بان يحسنوا معاملة أهالي المدينة ، وأنذر من يخالف منهم بعقاب شديد . وخطب باسمه في المساجد ، وضربت باسمه نقود . فتنة رهيبة ولكن حدث في اليوم الثالث من وصوله أن شاع في المدينة أن نادرا قد قتل أو أن « محمد شاه » قد سجنه . وعلى أثر ذلك ثار فريق من أهالي المدينة وهجموا على جنوده فأوقعوا برجال « قزلباش » مذبحة عظيمة . وتضعضعت معنويات المسلحين الإيرانيين لسماعهم نبا مقتل نادر فلم يستطيعوا مقاومة . وقدر عدد من قتل من الإيرانيين في ذلك اليوم بثلاثة آلاف . أما نادر فلم يصدق الخبر أول الأمر ، واتهم جنوده بأنهم اختلقوه ليجعلوه ذريعة لهم إلى نهب المدينة . فلما تحقق من صحة الخبر أمر قواده بحشد الجنود لاخماد الثورة . ولكنه أوصاهم بان لا يمسوا الأبرياء بسوء ، وأن يقتصر عملهم على حفظ النظام وضبط المدينة . وفي صباح الغد ارتدى ثوبا أحمر اعتاد أن يجعله علامة على الغضب ، وامتطى حصانه وخرج بنفسه مع نخبة من جنده الأشداء وقصد إلى مركز الثائرين . وقيل إنه ، وهو في سيره هذا ، أطلقت عليه رصاصة من إيوان أحد المساجد فاخطاته وأصابت أحد ضباطه فقتلته . فاشتد غضب نادر وصعد إلى سطح المسجد ونادى جنده بان لا يبقوا على أحد حيا في كل مكان قتل فيه جندي من « قزلباش » . وانطلق جنوده في الأسواق والأزقة ينفذون أمره فقاموا بمجزرة عامة رهيبة . ثم نهبوا الأسواق والبيوت ، وهدموا وأحرقوا كثيرا من الأبنية ، ونادر يقف في المسجد شاهرا سيفه ينظر بنفسه إلى ما يجري . واستمرت هذه الغارة الهائلة ست ساعات إلى أن أرسل « محمد شاه » أحد وزرائه وآخر من خواصه إلى نادر يتشفعان إليه ويلتمسان منه العفو والمسامحة . فأجابهما إلى طلبهما واستدعى حاكم المدينة وأمره أن يصحب جماعة من الحرس ويطوفوا في الشوارع يأمرون الجنود بوقف الغارة . وقد امتثل الجنود الأمر فورا ، وهذا يدل على أن نادرا كان مسيطرا سيطرة كاملة على عسكره . يقول المؤرخ عبد الكريم البخاري : « إن إطاعة الجند لهذا الأمر إطاعة فورية في إبان الغارة والفتنة أمر من الأعاجيب » . وأمر أيضا بإعادة كل الأسرى إلى أهاليهم . وقدر بعضهم عدد القتلى بأربعين ألفا ، وبعضهم بعشرين ألفا ، وبعضهم بثمانية آلاف . بعد ذلك عقد نادر قران ابنه « نصر الله ميرزا » على إحدى بنات العائلة التيمورية المالكة ، وأقيم لذلك عرس عظيم بين معالم الزينة ، والأضواء تشمل المدينة كلها ، وأهدى « محمد شاه » إلى صهره شيئا كثيرا نفيسا من الجواهر والتحف ، وأنعم على الضباط والعسكر الإيرانيين بمبالغ كبيرة من المال . وكان من عادة المغول أن يكتبوا في وثيقة الزواج سلسلة نسب العريس إلى سبعة جدود . فطلبوا من العريس « نصر الله ميرزا » أن يذكر أسماء جدوده متسلسلين على هذا النحو . فجاء إلى أبيه ونقل إليه طلبهم هذا . فقال له نادر : قل لهم إنك ابن السيف وحفيد السيف ونتيجة السيف . وهكذا سلسل لهم أسلافك سيفا سيفا إلى سبعين جدا لا سبعة ! ثم انصرف بعض رجال نادر إلى إحصاء الغنائم . وأمرهم بمعاملة الناس بالحسنى واجتناب كل ما من شانه أن يؤذي شعورهم . وبلغت الغنائم مبلغا لا يتصور من النفاسة والكثرة ، منها مبالغ ضخمة من النقد ومنها « تخت طاوس » الشهير ولا يمكن تقديره بثمن ، ومنها ثلاث ماسات هي ماسة « كوه نور » ( جبل النور ) الشهيرة وتسمى « ملكة الماس » ، وهي اليوم في لندن ، وماسة « درياي نور » ( بحر النور ) وهي اليوم في إيران ، وماسة « أورلوف » ، وهي اليوم في موسكو . ومن هذه الغنائم ستون ألف مخطوطة ثمينة . وفي السادس عشر من ذي الحجة سنة 1151 هبعث مع حامل بريده إلى إيران أمرا بإعفاء جميع الولايات الإيرانية من دفع الضرائب إلى مدة ثلاث سنوات ، وجعل ذلك حلوان انتصاره في الهند . وأنعم على جنوده وخدمه بجوائز مالية كثيرة وخلع عليهم خلعا ثمينة .