حسن الأمين

193

مستدركات أعيان الشيعة

طرده أكراد البلدة فعاد إلى مشهد خائبا . فغضب نادر غضبا شديدا إذ فوجئ بسلوك الأكراد على هذا النهج العدائي . فهيأ جيشا وتوجه إلى « قوشان » بمعية الشاه طهماسب لتاديب الأكراد . فلما قارب البلدة خرج إليه أخو البنت وأراه الأمر الذي أصدره الشاه إليهم بشأنها . فلما دخل الليل انفصل طهماسب عن المعسكر وذهب إلى « قوشان » . فلما علم نادر بذهاب الشاه تقدم وحاصر البلدة . فخرج إليه جماعة من مسلحي الأكراد كانوا من أنصار الشاه فكسرهم واضطرهم أن يعودوا إلى البلدة . ثم فك الحصار عنها احتراما للشاه وعاد إلى مشهد . فلما أقام الشاه في « قوشان » وأقام نادر في مشهد خلا الجو للبلاطيين من حاشية الشاه ورؤساء العشائر للكيد لنادر . فحرضوا الشاه على أن يأمر الحكام في مختلف الأقاليم بان ينجدوه على نادر لأنه يريد الفتنة . فانصاع لهم وكتب إلى الحكام والرؤساء أمرا بالثورة عليه . وكان الملك محمود أحد الذين كتب إليهم الشاه بهذا المعنى . وكان محمود في معية نادر فاطلعه على أمر الشاه هذا . وكذلك حرضوا الشاه على أن يعقد قرانه على بنت ذلك الزعيم الكردي التي كانت مخطوبة لنادر . أما نادر فقد أغضبه عمل الشاه ونفاقه وتقلبه ، فتوجه بأقصى ما يستطيع من السرعة بجيشه إلى « قوشان » فحاصرها وأوقع بالأكراد المناصرين للشاه وأتباعه هزيمة منكرة ، فلم يجد طهماسب حينئذ بدا من مصالحة نادر . ووعد بان يعود إلى مشهد بعد عودة نادر إليها . وفي عيد النوروز من سنة 1139 هوصل طهماسب إلى مشهد فاستقبله نادر استقبالا لائقا بالملوك وأمر بإقامة حفلات الأنس والسرور مدة أسبوع احتفاء بقدومه . ثورات وفتن ولكن الفتن والثورات لم تلبث أن قامت في مختلف أنحاء الشمال . فثار عليه الأكراد مرة ثانية وثار التتر والتركمان وغيرهم ، فبعث إليهم نادر بجيش بقيادة أخيه إبراهيم خان . ثم اضطر هو نفسه إلى التوجه إلى « أبيورد » لنجدة أخيه ، وقد حاصره الثوار في مضيق هناك ، فنجح في فك الحصار عنه وفر الثوار فتبعهم إلى مسافة طويلة . ثم لم يجد بدا من العودة إلى مشهد ليحول دون قيام ثورة هناك . ثم ثار التتر في « مرو » بتحريض من الملك محمود ، وثار الأكراد في « قوشان » وغيرها . ويرى بعضهم أن ثورة الأكراد هذه كانت بتحريض من الشاه طهماسب نفسه . فبعث نادر بأخيه إبراهيم إلى فريق منهم وتوجه هو في صحبة طهماسب إلى فريق آخر . ولكن طهماسب انفصل عنه في أثناء الطريق وقصد إلى « نيسابور » للاستجمام . وقد تمكن نادر من قمع تلك الفتن كلها بسرعة فائقة ، ثم عاد من فوره إلى مشهد . ومع أن تمرد الأكراد بدأ بامتناعهم عن تزويج بنت الزعيم الكردي لنادر وتبع ذلك ما تبعه من حرب وسفك دماء فان الأكراد ، بعد انتهاء هذه الحرب ، حملوا الفتاة إلى مشهد في موكب فخم وزفوها إلى نادر ! وبهذه المصاهرة وضع الأكراد يدهم في يد نادر وأصبحوا حلفاءه . ولما كان التتر قد ثاروا بتحريض من الملك محمود السيستاني فقد قتله نادر وقتل معه أخويه الملك « اسحق » والملك « محمد علي » وقامت ثورات في أماكن أخرى استطاع أن يخمدها بمثل تلك السرعة والدراية بفنون الحرب . محاربة الأفغان بعد ذلك توجه نادر إلى محاربة الأفاغنة . وكانوا يحتلون العاصمة أصفهان كما مر . وكان محمود الأفغاني رئيس طائفة « الغلجائيين » الذي تنازل له الشاه حسين الصفوي عن العرش وتوجه بيده بتاجه قد تمادى في الطغيان حتى اختلت قواه العقلية واضطر الأفاغنة أنفسهم إلى تنحيته عن العرش وتنصيب ابن عمه « أشرف علجائي » ، وكان مسجونا في سجن محمود هذا ، في مكانه . وفي سنة 1137 قتله أشرف واستقل بالعرش . وفي الثاني من صفر سنة 1140 هبدأ نادر حرب الأفاغنة . وافتتح حملته هذه بالهجوم على بعض الثائرين المتمردين في خراسان فهزمهم واحتل مدنهم وقلاعهم . وقتل الناكثين منهم الذين استامنوه فامنهم ثم غدروا به ، واستولى على أموالهم . وفي إحدى هذه الوقائع ، في محاصرته بلدة « سنجان » كاد نادر يقتل إذ انفجر مدفع على بعد بضعة أقدام منه ، فقتل المدفعي وبضعة جنود ، وسلم نادر . وبعد أن احتل « سنجان » جاءه خبر أن جيشا أفغانيا من « الأبداليين عدته بين سبعة آلاف وثمانية آلاف جندي قد خرج من » هرات « ووصل إلى » باخرز « و » نيازآباد « في طريقه إلى إنجاد أهالي » سنجان « . فتهيأ لقتالهم . وكان عسكره متعبا فرأى أنه لا يستطيع ، وهو على هذه الحال ، أن يحارب كما يجب أن تكون الحرب . وفوق هذا كان اسم الأفغان يبعث الرعب في نفوس جنوده بسبب انتصاراتهم المتوالية على الإيرانيين . فلم يخرج عسكره إلى القتال بل أمرهم بالتزام خندق « سنجان » لا يغادرونه . واختار من بينهم خمسمائة فارس من المجربين ، وحمل بهم على الأفاغنة حملة ماهرة . وبعد أربعة أيام بلياليها من الكر والفر ، لم يأذن فيها لأحد من جنده بالحرب غير هؤلاء الفرسان الخمسمائة ، رد المغيرين على أعقابهم ففروا عائدين إلى « هرات » . وعاد هو إلى مشهد لم يتبعهم إلى « هرات » إذ رأى أن ظروفه لا تمكنه من ذلك . بعد هذه الواقعة أخذت العلاقات بين طهماسب ونادر تسير من سئ إلى أسوأ ، ووزراء الشاه يسعون بكل وسيلة ممكنة إلى توسيع شقة الخلاف بينهما . وخالفه طهماسب في التخطيط لحرب الأفغان ، ثم اتفقا على خطة لها . ولكن حاشية طهماسب أقنعته بقطع صلته بنادر والانصراف عما بينهما من تعاون ففعل . وطلب من نادر أن يتولى هو وحده قيادة الحملة على « هرات » ، فقبل اقتراحه ولكنه تريث في السير لعلمه أن خصومه من الوزراء وأصحاب النفوذ يدبرون مؤامرة لايقاع الخلاف في جيشه . أما طهماسب فغادر مشهد إلى « سبزوار » . ثم وصل خبر إلى نادر بان « الأبداليين » الأفاغنة قاموا بهجوم آخر ووصلوا إلى مكان يقع على الطريق بين طهران ومشهد ، فلم يجد بدا من السير إليهم على الفور . ولكنه عرف ، وهو في طريقه إليهم ، أن طهماسب يهاجم أتراك محلة « بوجاري » وهم من أنصار نادر . فبعث إليه نادر التماسا يرجوه فيه الانصراف عن محاربة أتباعه هؤلاء ، وأن يتعاونا معا على حرب الأفاغنة . فأجابه طهماسب بان أمره بالحضور إليه لوضع الترتيبات اللازمة لهذا التعاون . إلا أن طهماسب ، مع ذلك ، ظل يتابع هجومه على أنصار