حسن الأمين

18

مستدركات أعيان الشيعة

وسار منها مبغض الإسلام والناس في خوف وفي اهتمام وخبرتي بحملة الفرنجي من جانب السودان شط اللجي وهو الذي قد قهر المغاربة وأندلس في حكمه مناسبة وقد نزعم أن هذا الشعور المعادي للبرتغاليين ، من جانب أحمد بن ماجد ما هو إلا ترجيع لاحساسه بالخيبة ، وشعوره بالمرأة للنتيجة التي أدت إليها قيادته البرتغاليين إلى الهند ، « إذ لم يكن بخلده أن هذه الحملة ستعود على الملاحة العربية بالدمار والخراب » ( 1 ) ولكن مثل هذا الزعم لا ينسجم مع المنطق ، إلا إذا ثبت أولا أن أحمد بن ماجد قد قاد البرتغاليين فعلا إلى الهند . النهروالي ثم جاء النهروالي بعد ثمانين سنة تقريبا على زيارة فاسكو دي گاما للمحيط الهندي ، فاختلق تلك الأسطورة عن تعاون أحمد بن ماجد مع البرتغاليين . فمن هو النهروالي ؟ هو الشيخ محمد بن أحمد النهروالي ، نسبة إلى نهروالة ، وهي بلدة صغيرة من كجرات ، تسمى اليوم « بتن » وعدد سكانها 000 ، 30 نسمة . ولد في « لاهور » في سنة 913 ه‍ ، وتربى في الهند ، ثم هاجر إلى الحجاز وهو ما يزال صغيرا دون البلوغ ، وتعلم على والده ، ثم اتصل برجاله الدولة العثمانية ، وكانت قد استولت على الحجاز بعد هجرته إليها ، وتوثقت صلته بهم ، وتعلم التركية وأتقنها حتى صار يؤلف وينظم بها ، ويترجم عنها . وتعددت أسفاره إلى مصر والشام وبلاد الأتراك . وكانت صلاته بالحجازيين سيئة في الغالب . وقد احترق بيته ، واحترقت مكتبته ، وكان الحريق مدبرا كما يقولون . أما صلاته بالأتراك فكانت على أحسن ما يرام : غمروه بالعطاء ، وخصصوا له راتبا سنويا يوازي راتب شيخ الحرم المكي ، ورتبته لديهم تلي رتبة شريف مكة . ولما أنشئت المدارس السليمانية بمكة ، عهدوا إليه الاشراف على بناء مدرسة الأحناف منها . وكان هذا الاشراف يدر على القائمين به مالا كثيرا . ثم تولى التدريس فيها بعد إتمام إنشائها ، براتب مقداره 60 عثمانيا في اليوم . أما من جانبه فقد قابل إحسانهم هذا بالتفاني في حبهم ، والمغالاة في الدعوة إليهم والإشادة بذكرهم ، فطفحت مؤلفاته بالمبالغة في مدح سلاطينهم ورجال دولتهم ، وهو ما تجب ملاحظته عند قراءة كتبه ، وخاصة كتابه « البرق اليماني » ، الذي يزخر بالتحامل الشديد على العرب وذمهم في أغلب الأحيان . « ومع أن القطبي حنفي المذهب ، إلا أنه كثيرا ما يخالف مذهبه ، والمخالفة إذا كانت جارية على أساس من الدليل فهي محمودة ، غير أنه - والله يغفر له - قد يفتي بعض الرؤساء بفتاوى يؤاخذ عليها » . البرق اليماني وللنهروالي عدد من المؤلفات ، يهمنا منها بصفة خاصة ، كتابه « البرق اليماني في الفتح العثماني ، فقد انطلقت تلك الأسطورة عن علاقة أحمد بن ماجد بالبرتغاليين . » ويتضمن هذا الكتاب مجمل تاريخ اليمن ، من أول القرن العاشر الهجري إلى آخر سنة 978 ه‍ ، ويفصل ما قامت به الدولة العثمانية من أعمال عنيفة لمحاولة الاستيلاء على ذلك القطر ، ويصور أول صراع بين قوات أجنبية محاربة وبين العرب في جنوب الجزيرة « ( 2 ) « وأصل هذا الكتاب أن القائد سنان باشا ، بعد عودته من غزو اليمن [ سنة 978 ه‍ ] ، طلب من القطبي [ النهروالي ] أن يؤلف كتابا عن فتوحاته هناك . وقدم له كتابا عنها منظوما ومؤلفا باللغة التركية ، نظمه مصطفى بك الرموزي ، أمير اللواء ، و » دفتر دار اليمن « ( 3 ) وقد انتفع النهروالي بذلك الكتاب التركي انتفاعا كبيرا » ( 4 ) مثال على تخليطه التاريخي والنهروالي قليل الاهتمام بتحري الحقيقة ، عديم العناية بصحة ما يكتب ، وخاصة بالنسبة للتاريخ . اهتم السلطان قانصوه الغوري ، اهتماما كبيرا بوصول البرتغاليين للمحيط الهندي ، والمجال لا يتسع هنا لشرح الأسباب ، فجهز عمارة بحرية في السويس ، وعهد بقيادتها إلى حسين الكردي . وقد أبحرت تلك العمارة من السويس في الأيام الأولى من جمادى الثانية سنة 911 ه‍ - سبتمبر 1505 م ، وكان الحجاز يعيش آنذاك فترة عصيبة من جراء الصراع على الحكم بين أفراد البيوت الحاكمة فيه ، وتوالي الثورات على أرضه . وقد انغمس أمراء الحج من المماليك في ذلك الصراع ، مما اضطر الغوري إلى تجريد أكثر من حملة حربية لإعادة الأمن والاستقرار إليه . وكان الحجاز من الأمكنة الحساسة بالنسبة إلى حكم المماليك . فبالإضافة إلى ما كان يضفيه عليهم من الفخار والشرف في أنظار العالم الإسلامي بوصفهم حماة البلد الأمين ، وخدام الحرمين الشريفين ، فقد كان لميناء جدة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري ، نظرا لما كان لها من أهمية تجارية ، ناشئة من كون الجزء الشمالي من البحر الأحمر مليئا بالصخور المغمورة ، والشعب المرجانية ، مما يجعل الملاحة فيه محفوفة بالاخطار . ولذلك فقد كانت السفن الكبيرة تتجنب السفر فيه ، وتفضل أن تفرغ ما تحمل من بضائع إلى مصر في جدة ، وتتوسق فيها بالبضائع المصرية المرسلة إلى الهند والشرق الأقصى . وكانت تتولى نقل البضائع من جدة إلى السويس ، ومن السويس إلى جدة ، سنابيك ( 5 ) صغيرة جدا في الغالب ، لأن قلة الغاطس في هذه السنابيك يجعلها أقل عرضة للأخطار ، من السفن الكبيرة ، ولأن الخسارة التي تنجم عن فقد أحد هذه السنابيك ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالخسارة الكبيرة التي تنجم عن فقد إحدى السفن الكبيرة . ومن هنا كانت أهمية جدة بالنسبة للاقتصاد المصري . بعد سفر الحملة المصرية من السويس بثلاثة أشهر ، « جاءت الأخبار من مكة [ من أوائل سنة 911 ه‍ ] بان الأحوال فاسدة ، وان عربان بني إبراهيم قد التفوا على يحيى بن سبع أمير الينبع ، ومالك بن رومي ، أمير خليص ، وقد اشتد الأمر في ذلك جدا فلما تحقق السلطان [ قانصوه الغوري ] ذلك أمر بابطال التوجه إلى الحجاز في هذه السنة من مصر والشام وسائر الأعمال قاطبة ، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب والثلم في

--> ( 1 ) عبد الله الماجد ، « العرب » س 3 ص 73 . ( 2 ) الجاسر ، ص 60 - 68 . في مقدمة البرق اليماني . ( 3 ) الجاسر ، صفحة 68 . ( 4 ) الجاسر ، صفحة 68 . ( 5 ) نوع من السفن الشراعية ما يزال واسع الانتشار في الخليج العربي والبحر الأحمر الواحد منها سنبوك .