حسن الأمين
179
مستدركات أعيان الشيعة
والعاديات ضبحا . فقال له أناس من أصحابه لو كنت قرأت أطول من هاتين السورتين شيئا . فقال ترون الديلم قد نزلت بساحتكم وأنتم تقولون لو قرأت سورة البقرة وآل عمران ، مما دل على وقوع الرعب في قلبه . فاقبل الرجل إلى المختار وأخبره بخبر شبث وأصحابه وأتاه أيضا سعر الحنفي يركض وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج خوفا من الحرس فلما أصبح أقبل على فرسه فاعترضه راشد بن إياس وأصحابه فركض على فرسه وأفلت منهم حتى أتى المختار فأخبره بخبرهم ، فبعث المختار إبراهيم بن الأشتر إلى راشد بن إياس في تسعمائة وقيل في ستمائة فارس وستمائة راجل ، وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة إلى شبث بن ربعي في ثلاثمائة فارس وستمائة راجل وأمرهما بتعجيل القتال وأن لا يقفا مقابلة عدوهما لأنه أكثر منهما وقال لا ترجعا حتى تظهرا أو تقتلا ، فتوجه إبراهيم إلى راشد وتوجه نعيم بن هبيرة إلى شبث وقدم المختار أمامه يزيد بن أنس في تسعمائة ، فاما نعيم فجعل سعر الحنفي على الخيل ومشى هو في الرجالة وقاتل شبثا قتالا شديدا حتى أشرقت الشمس وانبسطت وضربهم أصحاب نعيم حتى أدخلوهم البيوت منهزمين فناداهم شبث وحرضهم فرجع إليه منهم جماعة فحملوا على أصحاب نعيم وقد تفرقوا فانهزم أصحاب نعيم وصبر هو فقتل وأسر سعر ومعه رجلان أحدهما مولى فقتله شبث وأطلق الآخرين لأنهما عربيان فأتيا المختار . فاغتم أصحاب المختار لذلك غما شديدا وأخبره أحد الرجلين بما كان من أمره فقال له اسكت فليس هذا بمكان الحديث ، وجاء شبث حتى أحاط المختار ويزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رويم في ألفين فوقفوا في أفواه السكك وولى المختار يزيد بن أنس على الخيل وخرج هو في الرجالة فحملت عليهم خيل شبث حملتين فلم يبرحوا من مكانهم ، فقال لهم يزيد بن أنس : يا معشر الشيعة قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم وأنتم مقيمون في بيوتكم مطيعون لعدوكم فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم إذا والله لا يدعون منكم عينا تطرف وليقتلنكم صبرا ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه والله لا ينجيكم منهم إلا الصدق والصبر والطعن الصائب في أعينهم والضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة وتهيئوا للحملة فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا ، فتهيأوا وجثوا على الركب وانتظروا أمره . وأما إبراهيم بن الأشتر فإنه أقبل نحو راشد ابن إياس فإذا معه أربعة آلاف فقال إبراهيم لأصحابه لا يهولنكم كثرة هؤلاء فوالله لرب رجل خير من عشرة ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ، ثم قال لخزيمة بن نصر سر إليهم في الخيل وأخذ هو يمشي في الرجالة ويقول لصاحب رايته تقدم برايتك امض بها قدما قدما واقتتل الناس قتالا شديدا وحمل خزيمة بن نصر العبسي على راشد فطعنه فقتله ثم نادى قتلت راشدا ورب الكعبة وانهزم أصحاب راشد واقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن معهما بعد قتل راشد نحو المختار وأرسل البشير إلى المختار بقتل راشد فكبر هو وأصحابه وقويت نفوسهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل ، وأرسل ابن مطيع حسانا العبسي في نحو من ألفين ليعترض إبراهيم بن الأشتر فتقدم إليهم إبراهيم فانهزموا من غير قتال وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث بن ربعي محيط به فلما رآه يزيد بن الحارث الذي كان على أفواه السكك مقبلا نحو شبث أقبل نحوه ليرده عن شبث وأصحابه فبعث إبراهيم إليه طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر وسار هو نحو شبث فيمن بقي معه فلما أقبل إبراهيم نحو شبث جعل شبث وأصحابه ينكصون إلى الوراء قليلا قليلا فلما دنا منهم إبراهيم حمل عليهم وأمر يزيد بن أنس أن يحمل عليهم ففعل فانهزموا حتى وصلوا إلى بيوت الكوفة وحمل خزيمة بن نصر على يزيد بن الحارث فهزمه وأصحابه وازدحموا على أفواه السكك وكان يزيد بن الحارث قد وضع الرماة على أفواه السكك فوق البيوت ، وأقبل المختار فلما انتهى إلى أفواه السكك رمته الرماة بالنبل فصدوه عن دخول الكوفة من ذلك الوجه ، ورجع الناس منهزمين إلى ابن مطيع وجاءه قتل راشد بن إياس فسقط في يده ، فقال له عمرو بن الحجاج أيها الرجل لا تلق بيدك واخرج إلى الناس واندبهم إلى عدوك فان الناس كثير وكلهم معك إلا هذه الطائفة التي خرجت والله يخزيها وأنا أول منتدب فانتدب معي طائفة ومع غيري طائفة فخرج ابن مطيع فقام في الناس ووبخهم على هزيمتهم وأمرهم بالخروج إلى المختار وأصحابه . وأما المختار فإنه لما منعه الرماة من دخول الكوفة عدل إلى بيوت مزينة واحمس وبارق وبيوتهم منفردة فاستقبلوه بالماء فشرب أصحابه ولم يشرب هو لأنه كان صائما ، فقال أحمر بن شميط لابن كامل أترى الأمير صائما قال نعم قال لو أفطر كان أقوى له قال هو أعلم بما يصنع قال صدقت استغفر الله ، فقال المختار نعم المكان للقتال هذا فقال له إبراهيم قد هزمهم الله وفلهم وادخل الرعب في قلوبهم وتنزل هاهنا سر بنا فوالله ما دون القصر مانع فترك المختار هناك كل شيخ ضعيف وكل ذي علة وثقلهم واستخلف عليهم أبا عثمان النهدي وقدم إبراهيم أمامه وبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفين فخرج عليهم فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه فطواه إبراهيم وأمر المختار يزيد بن أنس أن يصمد لعمرو بن الحجاج فمضى نحوه وسار المختار خلف إبراهيم ثم وقف المختار في موضع مصلى خالد بن عبد الله وأمر إبراهيم أن يمضي على وجهه حتى يدخل الكوفة من جهة الكناسة فمضى فخرج إليه شمر ابن ذي الجوشن في ألفين فسرح إليه المختار سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه وأرسل إلى إبراهيم أن اطوه وامض على وجهك فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث فإذا نوفل بن مساحق في ألفين وقيل خمسة آلاف قال الطبري وهو الصحيح وكان ابن مطيع أمر مناديا فنادى في الناس أن الحقوا بابن مساحق وخرج ابن مطيع فوقف بالكناسة واستخلف شبث بن ربعي على القصر فدنا ابن الأشتر من ابن مطيع فأمر أصحابه بالنزول فنزلوا فقال قربوا خيولكم بعضها من بعض ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف ولا يهولنكم أن يقال جاء آل فلان وآل فلان وسمى بيوتات أهل الكوفة ، ثم قال إن هؤلاء لو وجدوا حر السيوف لانهزموا عن ابن مطيع انهزام المعزى من الذئب ففعلوا ذلك وأخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فأدخله في منطقته وكان قد لبس القباء فوق الدرع ثم قال لأصحابه شدوا عليهم فدى لكم عمي وخالي فلم يلبثوا أن انهزموا يركب بعضهم بعضا على أفواه السكك وازدحموا وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق فاخذ بلجام دابته ورفع السيف ليقتله فسأله أن يعفو عنه فخلى سبيله وقال اذكرها لي فكان يذكرها له ودخلوا الكناسة في آثارهم حتى دخلوا السوق والمسجد وحصروا ابن مطيع ومعه الأشراف غير عمرو بن حريث فإنه خرج إلى البر وجاء المختار حتى نزل جانب السوق وولى إبراهيم ابن الأشتر حصار القصر ومعه يزيد بن أنس وأحمر بن شميط فحصروا القصر من ثلاث جهات ثلاثة أيام ، وأشرف رجل من أصحاب ابن مطيع عشية على أصحاب المختار فجعل يشتمهم فرماه رجل منهم بسهم فأصاب حلقه فقطع الجلد فوقع ثم برأ بعد ذلك وجعل ابن مطيع يفرق على أصحابه الدقيق وهو محصور واشتد عليهم الحصار وأقبلت همدان