حسن الأمين
176
مستدركات أعيان الشيعة
ابن عقيل فقال لم أفعل ولكني أقبلت وقعدت تحت راية عمرو بن حريث إلى الصباح وشهد له عمرو بن حريث بذلك فضربه ابن زياد بالقضيب على وجهه حتى أصاب عينه فشترها ( 1 ) وقال والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك وأمر به إلى السجن فلم يزل المختار محبوسا حتى قتل الحسين ( ع ) فأرسل المختار رسولا إلى عبد الله بن عمر يطلب منه أن يكتب إلى يزيد ليكتب إلى ابن زياد بإطلاق المختار . فلما جاء الرسول إلى عبد الله بن عمر وعلمت زوجته صفية بحبس أخيها بكت وجزعت فرق لها عبد الله وكتب إلى يزيد يطلب منه أن يكتب إلى ابن زياد باطلاقه فكتب يزيد إلى ابن زياد : أما بعد فخل سبيل المختار ابن أبي عبيد حين تنظر في كتابي . فدعا ابن زياد بالمختار فأخرجه ثم قال له قد اجلتك ثلاثا فان أدركتك بالكوفة بعدها فقد برئت منك الذمة . فلما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز فلقيه ابن العرق مولى ثقيف وراء واقصة فسلم عليه وساله عن عينه فقال خبطها ابن الزانية بالقضيب فصارت كما ترى ثم قال : قتلني الله إن لم اقطع أنامله وأعضاءه إربا إربا ، ثم قال : إذا سمعت بمكان قد ظهرت به في عصابة من المسلمين اطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول بالطف سيد المسلمين وابن سيدها وابن بنت سيد المسلمين الحسين بن علي فو ربك لأقتلن بقتله عدة القتلى التي قتلت على دم يحيى بن زكريا ع فجعل ابن العرق يتعجب من قوله : ثم سار المختار حتى وصل إلى مكة وابن الزبير يدعو إلى نفسه سرا فكتم أمره عن المختار ففارقه المختار وغاب عنه سنة فسال عنه ابن الزبير فقيل له انه بالطائف ثم حضر المختار وبايع ابن الزبير على شروط شرطها وأقام عنده وحارب معه أهل الشام وقاتل قتالا شديدا وكان أشد الناس على أهل الشام . فلما هلك يزيد وأطاع أهل العراق ابن الزبير أقام المختار عنده خمسة أشهر وأياما فقدم هاني بن أبي حية الوداعي إلى مكة يريد العمرة في رمضان فسأله المختار عن أهل الكوفة فأخبره أنهم على طاعة ابن الزبير إلا أن طائفة من الناس هم عدد أهلها لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض فقال المختار : أنا أبو إسحاق أنا والله لهم أن أجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأهلك بهم كل جبار عنيد . ثم ركب راحلته وأقبل نحو الكوفة حتى وصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل وادهن ولبس ثيابه واعتم وتقلد سيفه وركب راحلته ودخل الكوفة وجعل لا يمر على مجلس إلا سلم على أهله وقال أبشروا بالنصرة والفلح آتاكم ما تحبون ولقيه عبيدة بن عمرو البدائي الكندي وكان من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم تشيعا وحبا لعلي ع فقال له : أبشر بالنصر والفلح . وكان سليمان بن صرد وأصحابه في ذلك الوقت يستعدون للطلب بثار الحسين ع فلما خرج سليمان وأصحابه نحو الشام قال عمر بن سعد وشبث بن ربعي ويزيد بن الحارث بن رويم وهم من قتلة الحسين ع لعبد الله بن يزيد الخطمي وهو والي الكوفة من قبل ابن الزبير وإبراهيم بن محمد بن طلحة وهو أمير الخراج : أن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم وان المختار يريد أن يثب عليكم في مصركم فأوثقوه واسجنوه فأتوا وأخذوه بغتة وأراد إبراهيم أن يقيده ويمشيه حافيا فلم يقبل عبد الله وأتي ببغلة دهماء فحمل عليها وقيل بل قيدوه . ولما قدم أصحاب سليمان بن صرد إلى الكوفة كتب إليهم المختار من الحبس : أما بعد فان الله أعظم لكم الأجر وحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين وجهاد المحلين أنكم لم تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة وكتب لكم حسنة فأبشروا فاني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق والمغرب من عدوكم السيف بإذن الله فجعلتهم ركاما وقتلتهم فذا وتوأما فرحب الله لمن قارب واهتدى ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى والسلام يا أهل الهدى . وأرسل إليهم الكتاب مع رجل يقال له سبحان قد ادخله في قلنسوته بين الظهارة والبطانة ، فلما جاء الكتاب ووقف عليه جماعة من رؤساء القبائل أعادوا إليه الجواب مع عبد الله بن كامل وقالوا : قل له قد قرأنا كتابك ونحن حيث يسرك فان شئت إن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا فأتاه فأخبره فسر لذلك وأرسل إليهم لا تفعلوا هذا فاني أخرج في أيامي هذه . وكان المختار قد بعث غلاما له إلى عبد الله بن عمر زوج أخته وكتب إليه : أما بعد فاني قد حبست مظلوما وظن بي الولاة ظنونا كاذبة فاكتب في يرحمك الله إلى هذين الظالمين يعني إلى والي الكوفة وأمير خراجها كتابا لطيفا عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك وبركتك ويمنك والسلام . فكتب إليهما عبد الله بن عمر : أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر والذي بيني وبينكما من الود فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته . فلما أتاهما كتاب ابن عمر طلبا من المختار كفلاء فاتى أناس كثير من أشراف الكوفة ليكفلوه فاختار عبد الله ابن يزيد منهم عشرة من الأشراف فضمنوه فدعا به عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وحلفاه أن لا يخرج عليهما فان خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة ومماليكه كلهم أحرار فحلف لهما بذلك وخرج إلى داره . وكان يقول بعد ذلك : قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم بايمانهم هذه ، أما حلفي بالله فاني إذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها أكفر عن يميني وخروجي عليهم خير من كفي عنهم وأما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة وأما عتق مماليكي فوالله لوددت أنه تم لي أمري ثم لم أملك مملوكا أبدا . ولما استقر المختار في داره أخذت الشيعة تختلف إليه واتفقوا على الرضا به وكان أكثر من استجاب له همدان وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة وكانوا يسمون الحمراء لحمرة وجوههم وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل . وكان قد بويع للمختار وهو في السجن ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وبعث عبد الله بن مطيع واليا على الكوفة . فلما قدمها جاءه إياس بن مضارب وقال له : لست آمن المختار أن يخرج عليك وقد بلغني أن أمره قد تم فابعث إليه فاحبسه ، فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله من همدان فقالا له : أجب الأمير فدعا بثيابه وأمر باسراج دابته وهم بالذهاب معهما . فلما رأى ذلك زائدة قرأ قوله تعالى : * ( ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ) * . ففهمها المختار فجلس ثم نزع ثيابه وقال : ألقوا علي القطيفة ما أراني إلا قد وعكت إني لأجد قفقفة شديدة وتمثل بقول الشاعر : إذا ما معشر تركوا نداهم ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا وقال للرسولين : ارجعا إلى ابن مطيع فأخبراه بحالتي فرجعا فإذا أصحابه على بابه وفي داره منهم جماعة كثيرة ، وقال حسين لزائدة : اني قد فهمت قولك حين قرأت الآية ، فأنكر زائدة أن يكون أراد شيئا . فقال له حسين : لا تخف فما كنت لأبلغ عنك ولا عنه شيئا تكرهانه ، فأقبلا إلى ابن
--> ( 1 ) الشتر انقلاب جفن العين .