حسن الأمين

166

مستدركات أعيان الشيعة

يوم خرج إلى بني كملان ومليلة وهوارة ، ثم ولاه المعز أعمال باغاية ( 1 ) فهل يكون اتصال ابن هانئ بقيصر لا بجوهر أولا ، ذلك أن جوهر كان كاتبا ووزيرا للمعز ، ثم إن ابن هانئ مدحه وعرض بمدحه في مدحه للمعز ، ولو أنه لم يعجبه لا نصرف عنه ولما ذكره . وهكذا نرى أن خروج ابن هانئ من الأندلس ، كان قبل أن يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر ، خرج منها شابا لم تنضجه الخبرة ، ولم تعلمه الأيام ما يحتاج إليه في حياته من مداراة للناس ، ولين جانب ، وتستر على عقيدة ، وعمل بالتقية كما فعل أبوه ، فاضطر ، وهو الشاب المندفع أمام ضغط العامة ومقت الخاصة إلى الهرب ، قبل أن تنضجه خبرة السنين ، وتفيده الأيام حسن دراية ومعرفة بأصول معاشرة الناس . موت ابن هانئ أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن ابن هانئ متفقون على أن وفاته كانت في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة 362 ( 972 ) ( 2 ) ، وفي مدينة برقة ( 3 ) ، ولكنهم لم يتفقوا على كيفية الموت ولا سببه ، فابن خلدون ( 4 ) وأبو الفداء ( 5 ) وابن الأثير ( 6 ) يقولون بأنه كان مع المعز عندما توجه إلى مصر ولما وصل إلى برقة قتل ابن هانئ غيلة ، هذا ما لا تذكره كتب التاريخ الأدبي فتخالف هذا الرأي ، فيذكر ابن الخطيب أن ابن هانئ توجه إلى مصر ليلحق بالمعز الذي كان آنذاك فيها وعند وصوله إلى برقة ، سكر ونام عريانا وكان البرد شديدا فافلج وتوفي في سنة إحدى وستين وثلاثمائة ( 7 ) ويخالف هذه الرواية ياقوت الحموي ، إذ يذكر أنه « وجد ملقى في سانية من سواني البلد مخنوقا بتكة سراويله ، ولم يعرف سبب ذلك ، ولا فاعله ، وكانت وفاته كذلك يوم الأربعاء سنة اثنتين وستين وثلاثمائة » ( 8 ) ويجمع ابن خلكان ( 9 ) بين الروايتين دون أن يستطيع أن يرجح إحداهما على الأخرى . من هذا نرى أن المؤرخين لم يتفقوا على كيفية موت الشاعر وأن اتفقوا على تاريخ هذه الوفاة وأحب أن أشير إلى أن ابن هانئ لم يكن في صحبة المعز عندما قتل ، ذلك أن المعز كان قد سبقه إلى مصر وعاد الشاعر ليأخذ عياله ويلحق به ولما كان في برقة قتل غيلة فبلغ ذلك المعز فقال - هذا الرجل كنا نود أن نفاخر به شعراء المشرق ، فلم يقدر لنا ذلك ( 10 ) ومن الجائز أن يكون جماعة من سكان برقة ، من المتعصبين على الفاطميين ، اغتنموا فرصة سفره بعيدا عن جيش المعز ، فاغتالوه ( 11 ) شعر ابن هاني والحياة الاجتماعية ابن هانئ ، ككل شاعر في كل عصر ، لا يمكن أن نفصله عن بيئته أو نطلب إليه أن يتناسى أو يتجاهل ما يدور حوله ، بل على النقيض من ذلك ، نتوقع أن نرى شعره مرآة عصره ومحيطه ، وسجلا حافلا للأحداث التي مر بها ، والعادات التي عرفها . لقد قضى الشاعر ما يقرب من نصف عمره في بيئة غير البيئة التي أبصر فيها النور ، في البيئة الإفريقية ، وفي ظل دولة ناشئة هي الدولة الفاطمية ، القائمة على الايمان بان الخلافة الإسلامية حق من حقوق آل البيت من أبناء علي من زوجته فاطمة الزهراء ، وكان يؤيد هذه الدعوة أناس اختلفوا جنسا وتوحدوا غاية . هذا المجتمع الإفريقي لم يهمله ابن هانئ ، بل تحدث عنه وإن لم يسهب في الحديث . إن في شعر ابن هانئ ما يدل على أن في هذا المجتمع كان يعيش العربي والبربري والمولى ، ونحن إذا ما قرأنا شعره نراه يتحدث عن العرب باعجاب واعتزاز ، ولا غرابة بذلك فالشاعر عربي ، والخليفة عربي ، بل ومن خيرة قبائل العرب ، بل ومن خيرة هذه القبيلة ، من هاشم بن عبد المطلب ، وإنا لنلاحظ أن الشاعر ما اتصل إلا بالعرب ، فقد اتصل بأبناء علي بن حمدون وهم من جذام وجذام من عرب الجنوب كما اتصل بأبي الفرج الشيباني وهو من قبيلة بني شيبان . أما أبناء علي بن حمدون فيثبت الشاعر أنهم أقرباؤه إذ يفتخر بهم وبهذا يقول : فمهلا بني عمي وأعيان معشري وأملاك قومي والخضارم من نجري وهؤلاء ينتسبون إلى جذام كما يتضح من قوله في مدح إبراهيم بن جعفر بن علي بن حمدون : وإذا شاء قلدته جذام شرف البيت من أواخ وسمك وأما في مدحه لأبي الفرج الشيباني فيفخر بالنسب العرب ، ويجعل هذا النسب سببا لنيل الشرف : أبلغ ربيعة عن ذي الحي من يمن أنا نؤلف شملا ليس يفترق إنا وإياكم فرعان من كرم قد بوركا وزكا الأثمار والورق انا لتشرف أيام الفخار بنا حتى يقول عدانا إننا الفلق وأما الخليفة فالشك لا [ برقي ] يرقي إلى نسبه لأنه القطب الذي تدور حوله الدعوة الفاطمية . وهناك طبقة أخرى هي طبقة غير العرب ممن ناصروا الدعوة الفاطمية وأيدوها ، وقد كان من بين هؤلاء قبائل عديدة أشهرها صنهاجة ، ومنها زيري بن مناد ، وابنه يوسف بلكين ، وكانا مقدمين عند المعز ، وقائدين يعول عليهما في الأمور الصعبة ، ونحن لا نرى أن ابن هانئ يذكر هذين القائدين في شعره ولم يمتدحهما أبدا ، وربما كان ذلك تعصبا منه للعرب أو لأن هذين كامثالهما من غير العرب ، أو المستعربين لم يكونا يفهمان العربية ، لذلك انصرف عنهما الشاعر . وهناك قبائل أخرى كقبيلة كتامة وزناتة وبني وأسول ، ومن هذه القبائل من كان يثور على المعز ، فيرسل إليها الجيوش ، وقد أشار ابن هانئ إلى هذه المعارك ، وخاصة تلك المعارك التي جرت ضد الحروريين - وهم من الخوارج - ، فقد حاربهم جعفر بن علي ، وانتصر عليهم ، واستولى على قلعة كتامة التي كانت : حرورية ما كبر الله خاطب عليها ولا حيي بها ملكا وفد كما أنه لما مدح أبا الفرج الشيباني لم ينس أن يذكر بلاءه في قتال هذه القبائل

--> ( 1 ) ابن خلدون تاريخ ج 4 - 46 . ( 2 ) ابن خلكان وفيات الأعيان ج 3 - 49 . ( 3 ) ديوان ق 32 - 466 . ( 4 ) ابن خلدون المصدر السابق ص 49 . ( 5 ) أبو الفداء تاريخ ج 1182 . ( 6 ) ابن الأثير الكامل ج 8 - 223 . ( 7 ) ابن الخطيب الإحاطة ج 2 - 212 . ( 8 ) ياقوت معجم الأدباء ج 19 - 92 . ( 9 ) ابن خلكان وفيات الأعيان ج 3 - 49 . ( 10 ) ابن خلدون تاريخ ج 4 - 46 . ( 11 ) ما ذكره ابن الخطيب عن سبب موته لا يقصد به إلا التشنيع على ابن هاني ، فالشاعر اغتيل اغتيالا لأنه أصبح لسان الدولة الفاطمية ( ح ) .