حسن الأمين

163

مستدركات أعيان الشيعة

حاتم ، وكان أبوه من قرية من قرى المهدية بإفريقية ، وكان شاعرا أديبا ، فانتقل إلى الأندلس فولد محمد المذكور بمدينة أشبيلية ، ونشا بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب ( 1 ) وأما بالنسبة لياقوت الحموي فهو أبو القاسم الأزدي الأندلسي من ولد روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب : شاعر مفلق ، وأشعر المتقدمين والمتأخرين من المغاربة ، وهو عندهم كالمتنبي عند أهل المشرق ، ولد بإشبيلية ونشا بها ونال حظا واسعا من علوم الأدب وفنونه . . . إلخ ( 2 ) وصاحب الإحاطة يؤرخ له على أنه « محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الغرناطي ، من أهل قرية سكون يكنى أبا القاسم ويعرف بالأندلسي ، وكأنها تعرفة بينه وبين الحكم أبي نواس . قال غير واحد من المؤرخين وهو من ذرية يزيد بن حاتم بن المهلب بن أبي صفرة وقيل من ولد روح بن حاتم . . . إلخ ( 3 ) وأما صاحب المطمح فيكتفي بجمل مسجقة منمقة ، يقرظ فيها الشاعر ، دون أن يشير إلى ما يتعلق بولادته ونشأته ، فهو الأديب أبو القاسم محمد بن هاني ، ذخر خطير ، وروض أدب مطير ، غاص في طلب الغريب حتى أخرج درة المكنون ، وبهرج بافتنائه فيه كل الفنون . . إلخ ( 4 ) نقل المقري قول ابن خلكان في المطمح نقلا حرفيا دون زيادة ولا نقصان ( 5 ) كما نقل صاحب شذرات الذهب ما جاء في وفيات الأعيان عن ابن هاني ( 6 ) وينفرد عن بقية هذه المصادر بذكر قصة لا ترتكز على واقع تحدث فيها عن اجتماع ابن هاني بالمتنبي سنعرض لها فيما بعد . هذا مجمل ما ذكره القدماء عن ابن هاني فما ذا نستخلص منه ؟ أما أنه عربي فهذا لا شك فيه إذ أنه يقول : فاني من العرب الأكرمين وفي أول الدهر ضاع الكرم ( 7 ) وهو أيضا أزدي ، والأزد من القبائل اليمانية . تسير القوافي المذهبات أحوكها فتمضي وان كانت على مجدكم وقفا يمانية في نجرها أزدية أفصلها نظما وأحكمها رصفا ( 8 ) وأما أن اسمه محمد بن هانئ ، وكنيته أبو القاسم ، فعلى هذا كل المؤرخين ، ولكن أين ولد ؟ ومتى ؟ فلنا في هذا رأي نميل إليه ولا نقطع به وذلك بالنسبة لهذا التضارب في الأقوال والاختلاف في الروايات . ذكر أكثر المؤرخين أن ابن هاني ولد في أشبيلية إلا أن ابن الأبار في التكملة وابن الخطيب في الإحاطة فهو عند الأول من أهل البيرة EIvirA ونشا في قرطبة ، هو عند الثاني ، من أهل قرية سكون ، ونشا في غرناطة ونحن بين هذا وذاك وغيرهما ، في حيرة من الأمر نحاول الاهتداء إلى نقطة ارتكاز نبني عليها آراءنا فلا نوفق ، بيد أنه إذا ما عدنا إلى هانئ والد الشاعر ، هذا الذي جاء من قرية من قرى المهدية في إفريقيا إلى الأندلس وهو شاعر أديب نجيز لأنفسنا أن نعتقد بان هانئ لا بد وأن يكون قد مر بمدارس المهدية التي تعلم الأصول الشيعية فقال بما قال به الشيعة ولنا أن نفترض ، بأنه ربما يكون قد اختير للدعوة في أرض الأندلس التي كان الفاطميون يودون الاستيلاء عليها ، وطبيعي أن يبحث الداعي عن مكان يجد فيه شيئا من الحرية في القول والعمل ، يساعده على ذلك طبيعة جميلة ، ومن الضروري أن يبتعد هاني عن البلد المتزمت الذي يسيطر فيه المتزمتون ، وهم في تزمتهم لا يسمحون بما لا يتفق مع آرائهم ، وقرطبة فيها المنذر بن سعيد وأمثاله ، لا يستطيع أن يعيش فيه من كان داعية لغير مذهبهم ، ولم تكن غرناطة بأقل حفاظا على ذلك لذا لم يبق أمام هانئ بن محمد إلا اللجوء إلى أشبيلية البلد الجميل بطبيعته الغني بظرف أهله ، الميالين للمرح ، حيث يستطيع أن يعمل هناك بهدوء ، غير خائف ولا مترقب ، في هذا البلد يستطيع هانئ بعيدا عن تزمت أهل قرطبة ، وجمود أهل غرناطة ، وفي أحضان طبيعة أشبيلية ، أن يعمل آمنا لذا لا استبعد أن يكون هانئ هذا اختار هذه المدينة مقرا له ، وربما طوف في الأندلس كشان الدعاة في كل زمن ، قبل أن يستقر في أشبيلية حيث ألقى عصا الترحال ، وهناك أبصر ابنه أبو القاسم النور ونحن لا نعتقد بان هانئ هذا ، وقد جاء داعية كما نرجح ، يسكن قرية وهم الدعاة أن يكونوا حيث يكثر الناس وتناقش الآراء . لم يتحدث المؤرخون الذين ذكروا شيئا عن ابن هاني عن تاريخ ولادته ، ولكنهم اتفقوا على أنه مات في سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وثلاثمائة ( 9 ) والمؤرخون مع إجماعهم على أن وفاته كانت في حدود هذا التاريخ ، اختلفوا في عمره فمنهم من قال : أنه توفي وله من العمر اثنتان وأربعون سنة ( 10 ) ومنهم من لم يستطع البت في ذلك فقال : قيل توفي وهو ابن ست وثلاثين سنة أو اثنتين وأربعين ( 11 ) ، ونحن لا سبيل لنا إلى الشك في تاريخ وفاته - مع أن صاحب كتاب شذرات الذهب نقل عن كتاب العبر القول الآتي : كان منغمسا في اللذات والمحرمات ، متهما بدين الفلاسفة ، شرب ليلة عند ناس فأصبح مخنوقا ، وهو في عشر الخمسين ( انتهى ) وعلى كل فنحن لا نشك بتاريخ وفاته . شعر صباه كنا نستطيع أن نغفر للمؤرخين إهمالهم لابن هاني لو أن الذين جمعوا ديوانه حفظوا لنا شيئا من شعر صباه ، أي ما قاله في الأندلس ، ولكن ما أن نمسك بالديوان لنقلب صفحاته حتى نعرف أنهم ما جمعوا له إلا ما قاله في إفريقية مادحا أو راثيا ، وهكذا لا نجد في ديوانه قصيدة واحدة تعود إلى عهده في الأندلس ، ولا نقع لأي ذكر لتلك الطبيعة الجميلة طبيعة أشبيلية التي نشا بين أحضانها ، ولقد أصاب صاحب بغية الملتمس في قوله عنه ، « خرج عن الأندلس فشهر شهره في الغربة » ( 12 ) إذن فنحن لا نظفر بطائل فيما يتعلق بشعر صباه مهما بذلنا من جهد ، وما أظننا نظفر بما ينقع الغليل ، بيد أني اعتقد أن شعره في صباه ، ما كان يخرج عن الإطار المفروض في شعر أمثاله من الشباب ، ولست أبعد إذا قلت أن ابن هانئ ككل شاب ، يحب الحياة بلهوها ومرحها ، ويقبل عليها إقبال

--> ( 1 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 3 ص 49 . ( 2 ) ياقوت الحموي : معجم الأدباء ج 19 ص 920 . ( 3 ) ابن الخطيب : الإحاطة في أخبار غرناطة ج 2 ص 212 . ( 4 ) ابن خاقان : مطمح الأنفس ص 74 . ( 5 ) المقري : نفح الطيب ج 4 ص 183 . ( 6 ) ابن العماد : شذرات الذهب ج 3 ص 41 - 43 . ( 7 ) ديوان ص 715 رقم 50 بيت 75 . ( 8 ) قصيدة 31 ص 451 بيت 58 - 60 . ( 9 ) إحاطة ج 2 ص 212 . وفيات ج 3 ص 49 . تكملة ج 1 ص 103 ترجمة 350 . معجم الأدباء ج 11 ص 92 شذرات الذهب ج 3 ص 41 - 43 تاريخ ابن خلدون ج 4 ص 46 . ( 10 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 3 ص 49 . ( 11 ) وفيات الأعيان ج 3 ص 49 . ( 12 ) الضبي - بغية الملتمس ص 130 رقم 302 .