حسن الأمين

147

مستدركات أعيان الشيعة

من اندساسهم في أوساط الحركة النيابية . وخطب الشيخ « فضل الله نوري » ، ودار خطابه على موضوع « المجلس النيابي الشرعي » ، فزاد هذا الخطاب في حقد خصومه عليه . وفي التاسع من ذي القعدة سارت جماعات هذه المظاهرة إلى المجلس النيابي ، وأطلقوا عليه الرصاص وقاموا بحوادث شغب . وبعد بضعة أسابيع أبعد رؤساء هذه المظاهرات إلى « كلات » بأمر من المجلس النيابي وموافقة « محمد علي شاه » . وتفاقمت أعمال الإرهاب والشغب من كلا الطرفين ، أنصار المجلس النيابي ومعارضيه ، واشتد انقسام النواب حتى اتهم « علا مير احتشام السلطنة » ، وهو رئيس المجلس النيابي ، بعض النواب بالخيانة والارتشاء . وطلبت « اللجان الشعبية » من المجلس إصدار قانون يسمح للجان بتشكيل جيش لها ، فإن لم يفعل أقدمت على تشكيله بلا إذن منه . وثارت خصومة عنيفة بين النواب المؤيدين لطلب اللجان والنواب المخالفين . وظلت البلاد تتخبط في قلب هذه الفتن ، وعجز المصلحون عن إيجاد مخرج منها حتى أقدم « محمد علي شاه » على ضرب المجلس بالمدافع في 23 جمادى الأولى سنة 1326 ، فانهزم أنصار الجلس وتفرقوا وتواروا عن الأنظار ، واستقر الحكم في يد الشاه ورجاله ، وأصبح الشيخ « فضل الله نوري » الرجل الأول تقريبا في المملكة . ولكن أنصار المجلس النيابي ثاروا في نواحي مختلفة من إيران واستولوا على الحكم في بعض المدن منها ، ثم كروا على طهران العاصمة ففتحوها في 24 جمادى الثانية سنة 1327 وخلعوا « محمد علي شاه » عن العرش . ثم عينوا هياة إدارية من اثني عشر رجلا من العسكريين والمدنيين والروحانيين تتولى الحكم في غياب المجلس النيابي . وعينت هذه الهيئة محكمة باسم « المحكمة الثورية العليا » مؤلفة من عشرة . واعتقلوا جماعة من معارضي المجلس النيابي وأعوان الشاه ، فحاكموهم وحكموا عليهم بالموت وقتلوهم . أما الشيخ « فضل الله نوري » ، وهو المعارض الأكبر ، فقد سبق أن أشير عليه باللجوء إلى إحدى السفارات الأجنبية . وألحت عليه السفارة الروسية خاصة أن يلجا إليها فيقيم فيها عزيزا مكرما مصانا ، فأبى أن يفعل وظل مقيما في منزله . فبعثت إليه المحكمة الثورية بضعة رجال من المليشيات فاعتقلوه وجاؤا به إلى ساحة « الطوبخانة » ، حيث أوقف في أحد المنازل . ثم قدم إلى المحاكمة فحكمت عليه المحكمة ، بإجماع الآراء ، بالموت شنقا . وأيدت الهيئة الإدارية حكمها . فشنق في 13 رجب سنة 1327 في ساحة « الطوبخانة » وهو في التاسعة والستين من عمره . وحين محاكمته قال : « يا ترى أيقوم هؤلاء - يعني قضاته - يوم القيامة بجوابي إذا سألتهم ؟ لا أنا كنت رجعيا ولا السيد عبد الله والسيد محمد ( 1 ) كانا من أنصار النظام النيابي . وكل ما في الأمر أنهما يريدان إذلالي وتنحيتي . والقضية بيني وبينهم ليست قضية رجعية وأصول نيابية دستورية « . ثم أشار إلى الجلادين غير هياب ولا وجل قائلا » إلى عملكم ! « . وظل معلقا مدة عشر دقائق فقط . ثم أنزلت جثته فسلمت إلى ذويه . فيكون عدد من قتلهم « يفرم » الأرمني الطاشناقي من كبار علماء المسلمين المجتهدين أربعة هم : السيد مسعود شيخ الإسلام والسيد مير هاشم شترباني والشيخ فضل الله النوري والسيد عبد الله البهبهاني . وكلهم من رواد النظام النيابي الدستوري ومؤسسيه في إيران . قتلهم بما هو « حامي » النظام النيابي الدستوري ! . . ويقول مؤرخ إيراني عن إعدام النوري : « لقد كان قتل هذا العالم الجليل المجتهد الجامع للشرائط الشجاع خطا كبيرا » . ولكننا نقول : لقد كان قتله جريمة كبرى . إن الأيام أعادت للشيخ فضل الله النوري اعتباره ، ونزهه التاريخ الصحيح عن كل ما ألصق به من افتراءات ، واسمه اليوم يتصدر شارعا من أكبر شوارع طهران . وكان مما رثي به من الشعر العربي الذي نظمه فقهاء إيرانيون قول السيد أحمد الرضوي من قصيدة : لا زال من فضل الاله وجوده جود يفيض على ثراك همولا روى عظامك وإبل من سيبه يعتاد لحدك بكرة وأصيلا آمنت إذ حادوا برب محمد وصبرت في ذات الاله جميلا أمسكت بالدين القويم ولم يمل بك زيفة كالمارقين مميلا كالمشرفي مجردا من غمده يهتز في أيدي الكماة صقيلا هل ينفع البر التقي بيانه في معشر نطقوا السفاهة قيلا وقال الشيخ محمد علي الأردوبادي من قصيدة : خسرنا منه مشهور المواضي يرف عليه منشور اللواء أبا ( الهادي ) بكاك الدين شجوا بماساة تجل عن البكاء بيوم به شاهت وجوه ووجهك فيه مؤتلق البهاء وحيا العارض الوسمي قبرا يقل محط علم الأنبياء وعاهده ب ( فضل الله ) سحا عهاد منه ممدود الرخاء كما رثاه شعرا بالفارسية كل من الشيخ أسد الله حكيم قمشه اي ، وميرزا [ الطف ] اللطف علي صدر الأفاضل ، وميرزا حبيب الله نير .

--> ( 1 ) يقصد رفيقيه القديمين السيد عبد الله البهبهاني والسيد محمد الطباطبائي . وقد أصبحا كلاهما نائبين في المجلس الأول والثاني . فاما البهبهاني فبلغ من السيطرة والنفوذ شئرا بعيدا حتى أصبح يسمى » الشاه عبد الله « و » الشاه الأسودة « إذ كان اسمه شيد السمرة . وانتهى أمره إلى أن اغتاله الارهابي القفقاس « حيدر عمو أوغلي وثلاثة من رفاقه الارهابيين في منزله ، مدفوعين من منافسيه على النفوذ من النواب وشاركهم في المؤامرة » [ يغرم ] يفرم « ، ثم أطلق سراحه ومنع محاكمته بعد أن اعتقل . وكان » يفرم « يومئذ رئيسا لشرطة طهران . وأما الطباطبائي فقد ندم في أواخر عمره على ما كان منه من مناصرة للنظام النيابي الدستوري ، إذ جاءت النتيجة مخيبة لآماله . فكان يقول » سكبناه خلا فصار خمرا « ويقول : لم نفعل شيئا سوى أننا استبدلنا استبدادا باستبداد ! . ويجدر بالذكر أن البهبهاني والطباطبائي كانا في المنفي يوم حوكم « الشيخ فضل الله النوري » وقتل . سبق أن تفاهما « محمد علي شاه » بعد ضربه المجلس بالمدافع وإلغائه النظام النيابي .