حسن الأمين
145
مستدركات أعيان الشيعة
فقد انفرد بذكرها أيضا « إدوار براون » في كتابه « ثورة إيران » . والشيخ « فضل الله » في عزة نفسه وشموخه وشجاعته وعرفانه وسمو مكانته أجل من أن يتذرع إلى غاية بمثل هذه الوسيلة التي لا يتذرع بها غير الدساسين العاجزين الجبناء . وانفرد « براون » أيضا بالقول إن الشيخ « فضل الله » انفصل عن السيد « عبد الله البهبهاني » والسيد « محمد الطباطبائي » حسدا منه لهما . وهو قول مردود بقول « براون » نفسه . فهو يعترف بان الشيخ النوري كان أعلى منهما مرتبة وأسمى مكانة ، وسابقته في الكفاح من أجل إقامة الحياة الدستورية النيابية لا تقصر عن سابقتهما . فان يكن للحسد حساب في هذه القضية فالعكس هو الأقرب إلى الاحتمال . ولو كانت تطلعات الشيخ « فضل الله » إلى مغانم دنيوية وغايات وصولية انتهازية لما داناه أحد في الوصول إليها . لا شك في أن ما ذكره « براون » كان شائعا على ألسن الناس . بل لعل ما ذكره « براون » إنما أخذه من ألسن الناس بدليل نقله في كتابه شيئا من هذا القبيل عن إحدى الصحف المحلية ، وبدليل أن البيانات التي كان الشيخ « فضل الله » يصدرها في نشرته لا ينفك يتذمر فيها من نشر خصومه إشاعات كاذبة عنه بين الناس . ولكن ما ذكره « أحمد كسروي » عدو الشيخ « فضل الله » اللدود في كتابه « تاريخ مشروطة » من وقائع تلك الأيام يثبت ، بما لا يدع مجالا لشك ، أن نضال الشيخ « فضل الله » إنما كان يتوخى غاية واحدة هي تنزيه المجلس النيابي من الانحراف وصيانة الإسلام من شر أعدائه . وأما الفتوى بان الشيخ « فضل الله » مفسد يحرم الرجوع إليه التي نسبوها إلى مراجع الدين النجفيين فالعكس هو الصحيح . فقد كان هؤلاء المراجع يطلبون ما يطلبه الشيخ « فضل الله » من صيانة المجلس النيابي من الانحراف . وقد ذكرنا آنفا بيانهم الذي أرسلوه من النجف إلى إيران في هذا الموضوع . وقد أرسلوا أيضا برقية إلى المجلس ذكروا فيها مطلبهم هذا ، واختاروا الشيخ « فضل الله » نفسه واسطة لإيصالها إلى المجلس . وذلك قبل مهاجرته إلى « شاه عبد العظيم » . وقد استهلوها بهذه العبارة : « من النجف الأشرف - بواسطة جناب حجة الإسلام نوري ، دامت بركاته - المجلس النيابي المحترم شيد الله أركانه » . وأرسل الشيخ « فضل الله » هذه البرقية إلى رئيس المجلس . ولكنه أهملها ولم يعتن بها . وعلى أثر ذلك اضطر الشيخ « فضل الله » إلى التحصن في « شاه عبد العظيم » . وهذه الواقعة ذكرها أيضا « أحمد كسروي » خصم الشيخ النوري اللدود في كتابه . وذكر معها نص البرقية . ولو صح أن المراجع النجفيين أرسلوا برقية حكموا فيها بان الشيخ « فضل الله » مفسد يحرم الرجوع إليه لما أغفل ذكرها قضاته الذين حاكموه وحكموا عليه بالموت . ولكانت أقوى سلاح بيدهم عليه . فلما ذا أغفلوها ولم يأتوا لها على ذكر ؟ ! . وكانت أمثال هذه الافتراءات تسبب لهذا الرجل الطاهر ألما شديدا تجلى في صرخة أطلقها في بيان من بياناته التي كان يطبعها في نشرته ، وذكرها عدوه اللدود « أحمد كسروي » في كتابه . قال مخاطبا خصومه مؤنبا لهم على زورهم : « يا أتباع الهوى والهوس لما ذا تحرفون صوت العلماء ، صوت الحق ، وتلقونه إلى العوام باطلا ؟ ! وتدخلون بين الناس السذج كالشياطين ؟ ! ولا تنفكون تخفون برقيات سادات النجف وحجج إسلامها أو تغيرونها وتطبعونها مزورة ؟ ! » إلخ . وفي هذه الكلمة تصريح واضح بالشكوى من افتراء خصومه عليه ، وتصريح بان تلك البرقية التي نسبوها إلى علماء النجف وفيها فتوى بأنه مفسد يحرم الرجوع إليه هي برقية مزورة . أقام « الشيخ فضل الله نوري » وأتباعه معتصمين في « شاه عبد العظيم » بضعة أشهر . فلما قتل رئيس الوزراء الأتابك « علي أصغر خان أمين السلطان » في 21 رجب سنة 1325 . عند باب المجلس النيابي ، عاد « الشيخ فضل الله » فورا إلى منزله في طهران ، وكذلك عاد أتباعه ، إذ كان لمقتل الأتابك تأثير سلبي في معارضي المجلس النيابي خفف كثيرا من اندفاعهم في المعارضة ، فقد كان الأتابك متهما عند مؤيدي المجلس بأنه معارض له ، حتى أن أهله لم يجرؤا على إقامة فاتحة عامة له ، على حين قام فريق من طلاب بعض المدارس وفريق من أعضاء اللجان الشعبية بإظهار التعظيم والتقدير لقاتله ونشروا الزهور على قبره . وشاع أن الأتابك كان يمد الشيخ « فضل الله » بالمال اللازم لنفقاته حين كان معتصما في « شاه عبد العظيم » . في الحقبة التي انفصل فيها الشيخ « فضل الله نوري » عن أنصار المجلس النيابي كان وضع المجلس نفسه وما يلابسه من حركات المعارضة للنظام النيابي وحركات التأييد له قد بلغت حدا بعيدا من البلبلة والتشعب ، ما بين تنافس كبار النواب على الاستئثار بالسلطة ، ودسائس الأمراء وتنافسهم على العرش ، وغفلة العامة وتخلفهم الفكري ، ومن اندس في أوساط هذا الصراع العنيف الدامي من أهل البدع الدينية كالبابيين والأزليين والحركات السرية الأجنبية كالماسونيين وأصحاب الغايات الشخصية . كل أولئك قد استغل موضوع النظام النيابي لانفاذ ماربه الخاصة . وكان فريق من المفكرين يرى ، مخلصا ، أن النظام النيابي ثمرة اقتطفت قبل نضجها ، وأنه أقيم في إيران قبل أوانه وقبل تهيئة مقدماته ، وأن قلة ضئيلة من النواب كانت على دراية بمقتضيات هذا النظام ، وعلم بمجرى الوقائع من السياسة العالمية . وأكثريتهم لا تفقه من ذلك شيئا . وفوق هذا كانت دسائس الإنكليز والروس والعثمانيين تزيد الفتنة شدة وامتدادا . ومن ثم انحرف المجلس القائم كليا عن غايته الأصلية . كانت المنافسة القديمة بين الإنكليز والروس على النفوذ في إيران يومئذ على أشدها . وكان هوى الشاه « محمد علي قاجار » وهوى الأتابك رئيس الوزارة « علي أصغر خان » مع الروس . وكان الإنكليز يؤيدون أنصار النظام النيابي ، والروس يؤيدون معارضيه . وكان الشاه غير راض عن سلوك المجلس النيابي أما رئيس وزرائه فكان يداري موضوع هذا النظام بتحركات دبلوماسية بين مؤيدي المجلس ومعارضه لعله يجد مخرجا من هذه الأزمة يوفق بين الطرفين ( 1 ) ولكنه كان متهما ، منذ القديم ، عند مؤيدي المجلس
--> ( 1 ) أنهت إنكلترا وروسيا ما بينهما من خلاف على إيران بمعاهدة وقعتاها في 31 آب سنة 1907 م الموافق 21 رجب سنة 1325 هوتقاسمتا فيها إيران ، لكل منهما قسم تستقل بالنفوذ [ عا ] عاش من غير تنافس بينهما . ومن عجب أن توقيع هذه المعاهدة حدث في نفس اليوم الذي اغتيل فيه الأتابك « علي أصغر خان » رئيس الوزارة الإيرانية صديق روسيا وفي يوم الثلاثاء 23 جمادى الأولى سنة 1326 هوافق « محمد علي شاه » على ضرب المجلس النيابي بالقنابل وتعطيل الحياة النيابية وقام بهذا العمل بتحريض من السفارتين الإنكليزية والروسية كلتيهما وإصرار وزير الحربية « أمير بهادر » أحد رجال حاشيته والروسي « لياخوف » آمر فرقة « القوزاق » الإيرانية ، وبعد أن رفض متطرفو المجلس النيابي تجريد الملشيات الأهلية من السلاح ووقف أعمال الإرهاب .