حسن الأمين
139
مستدركات أعيان الشيعة
كان أعلم وأتقى علماء زمانه في إيران . درس المقدمات في إيران ثم سافر إلى العراق فأتم الدراسة العالية على الميرزا « محمد حسن الشيرازي » المرجع الديني الأول . وكان في الطبقة الأولى بين تلاميذه . ولما عاد إلى إيران أهلته معارفه الواسعة وتبحره في العلم وجمعه لشرائط الاجتهاد وتقواه لبلوغ مكانة عالية من النفوذ والشهرة ، وأصبح من أعظم المراجع في الأمور الشرعية . وظل على هذه المكانة السامية مدة من الزمن إلى أن نسبت إليه أمور أنزلت من مقامه . ففي سنة 1308 ( 1890 م ) في عهد « ناصر الدين شاه » أعطت الحكومة الإيرانية اثنين من الروس ، أحدهما اسمه « رافلوفيتش » والآخر « بالياكوف » امتيازا بإنشاء بنك لهما في إيران . وأراد الروس إقامة بناء للبنك في أرض موقوفة فيها مدرسة خربة ومقبرة دارسة . ولكنهم لم يحصلوا على إذن باستئجارها من أحد ممن راجعوهم بهذا الشأن من المراجع الدينية . إلا أن الشيخ « فضل الله نوري » أذن لهم بإقامة بناء للبنك فيها ، باعتبار التبديل بالأحسن ، وفي مقابل ذلك دفعوا تعويضا من المال ( 1 ) وقيل إن الشيخ نفسه وبعض حاشيته خصهم أصحاب الامتياز بشيء من المال لأنفسهم فوق التعويض . فحط ذلك من شانه . وأمر آخر هو أنه نسب إليه أنه طلق إحدى بنات « مظفر الدين شاه » من زوجها في غياب الزوج وبدون موافقته . وتفصيل هذا الأمر هو أن « موقر السلطنة » ( 2 ) كان متزوجا من « شكوه الدولة » بنت « مظفر الدين شاه » السادسة . وكان زوجها هذا مسجونا . وأراد أبوها ، أو أخوها « محمد علي ميرزا » ولي العهد ، تطليقها منه ، فراجع بهذا الشأن اثنين من المراجع الدينية هما السيد « علي أكبر تفرشي » والسيد « عبد الله البهبهاني » فأجاباه بان لا بد من إطلاق سراح الزوج وسماع موافقته على الطلاق منه ، وإلا فالطلاق غير ممكن بوجه من الوجوه . فقيل إن البلاط راجع الشيخ « فضل الله نوري » بهذا الشأن فقبل أن يطلقها ، وطلقها من زوجها وهو في السجن بدون الحصول على موافقته . ثم أجبروها على الزواج من السيد « أبو القاسم » إمام الجمعة في طهران ، فعقد لها الشيخ « فضل الله » عليه . وزاد بعضهم أن العقد جرى في جلسة الطلاق نفسها من غير عدة ، فزاد هذا العمل في انحطاط شانه . هذا ما نسب إليه . ولكن إذا نظرنا في ملابسات حياة الشيخ « فضل الله » السياسة والاجتماعية ، وهي ملابسات عنيفة عاتية قامت على منعطفات تاريخية حاسمة ، وإذا نظرنا في انعقاد إجماع الناس ، حتى خصومه ، إلى يومنا هذا على تفوقه العلمي وورعه وتقواه وغيرته على الإسلام ، لا نتردد في الجزم ببراءة سيرته من كل شائبة دينية وأخلاقية ، وأن نحكم بان خصومه رموه بمخالفات شرعية وأشاعوها بين الناس افتراء للحط من شانه . والإشاعة الكاذبة سلاح قديم بيد المبطلين . لقد شهر هذا الرجل العظيم حربا بلا هوادة على خصوم عتاة جبابرة كحزب « الطاشناق » الأرمني والبابيين والماسونيين والاستعمار والهراطقة وغيرهم . فهل يستكثر على مثل هؤلاء الخصوم نسج إشاعة كاذبة عنه ؟ ! فيوم هب أحرار إيران يطلبون الخلاص من الحكم الاستبدادي الفردي وإقامة النظام الدستوري النيابي في بلادهم - وكان الشيخ فضل الله نوري من رواده الأوائل - هاله أن رأى أولئك الخصوم يندسون في هذه الحركة المباركة لينحرفوا بها عن غايتها النبيلة إلى غاياتهم الخاصة ، ومن ثم إيقاع إيران في بلاء شر من الحكم الاستبدادي الفردي . فهب ناهيا عن المنكر آمرا بالمعروف يبتغي صيانة الحركة الدستورية النيابية من التخريب والانحراف . وهب خصومه هؤلاء يبتغون كسر [ شكوكته ] شوكته وإخماد صوته . وكان من ذلك تشويه سمعته بنشر مثل هذه الإشاعات عنه . وكيف يرتكب مخالفة شرعية في مثل هذه الأمور من اختار الموت على الحياة إذ كانت نجاته من الموت متوقفة على قبوله الحماية من أعداء دينه أو أعداء بلاده ؟ ! فقد أرسلت إليه السفارة الروسية في طهران ، ساعة كان ينتظر الجلادين ليقودوه إلى المشنقة ، راية روسية ، واقترحت عليه ، بالالتماس والإصرار ، أن يلجا إليها أو أن يرفع الراية الروسية فوق منزله فيصبح في الأمان ، فرفض وقال ما معناه : لا أستظل براية أعداء ديني . ومهما تكن الحقيقة في قضية الوقف فان فتوى يفتيها « الشيخ فضل الله نوري » بشأن وقف من الأوقاف لا يمكن أن تكون مخالفة للشرع . هذا مع العلم أيضا بان السلطات لم تكن بحاجة إلى فتاوى شرعية للاستيلاء على مدرسة خربة ومقبرة دارسة . ومثل هذه القضية قضية طلاق بنت « مظفر الدين شاه » . وما أشيع عنه من مخالفات في هاتين القضيتين كان القصد منه الإساءة إلى سمعته بين الناس وإسقاط منزلته فيهم . ويبدو أن مروجي هذه الشائعات قد نجحوا في ذلك . ونحن حين ننظر بعين الإنصاف إلى هاتين التهمتين ، مضافا إليهما التهمة الثالثة الفظيعة ، وهي عقد زواج المطلقة قبل انقضاء عدتها ، بل في مجلس الطلاق نفسه ، ندرك حالا أنها تهم باطلة ، وأن الشيخ النوري في علمه وورعه لا يمكن أن يقدم على ارتكاب أمور محرمة . والذي يفضح مطلقي التهم هو تهمتهم الثالثة التي تزعم أنه زوج المطلقة قبل انقضاء عدتها ، بل في مجلس الطلاق نفسه . وهو أمر لا يمكن أن يقدم عليه حتى الفاسق المتجاهر بالفسق ، فضلا عن مجتهد ورع تقي كالشيخ فضل الله . وذلك أن الفاسق المجاهر بالفسق إنما يستحل المحرمات إذا كان له فائدة من استحلالها . فأي فائدة تناله من مثل هذا العمل وهو غير محتاج إلى تعجيل الزواج ، بل يستطيع الانتظار إلى ما بعد انقضاء العدة وتجنيب نفسه سوء القالة من ارتكاب محرم لا يستطيع له اصطناع تخريج ولا تكلف
--> ( 1 ) في رجب سنة 1321 ه ، في عهد « مظفر الدين شاه » ، عزل هذا الشاه الأتابك « علي أصغر خان » ( أمين السلطان ) من منصب الصدارة العظمى وعين في مكانه « سلطان عبد المجيد ميرزا » الملقب ب « عين الدولة » ، وهو من الأمراء القاجاريين . وفي عهد هذا الصدر الأعظم هاجم الناس في شهر رمضان بناية هذا البنك وهدموها . ( 2 ) هو « حبيب الله خان قاجار دولو موقر السلطنة » من موظفي البلاط في عهد « ناصر الدين شاه » وعهد « مظفر الدين شاه » . صهر « مظفر الدين شاه » على ابنته « شكوه الدولة » . كان على صلة سرية بطلاب النظام البرلماني الدمقراطي . وكان هؤلاء يكتبون رسائل يدعون فيها إلى إقامة هذا النظام ويرهبون بها الشاه ورجال البلاط ، وذلك بان يسلموها إلى « موقر السلطنة » هذا في الخفاء فيلقي بها سرا على سرير نوم « مظفر الدين شاه » أو مكتبه . واتفق أن رآه الشاه مرة من المرات يفعل ذلك ، فأمر بالقبض عليه ، وضرب حتى أقر على رفاقه فاعتقلوا ونفوا من طهران . وألقي بموقر السلطنة في السجن ، وظل فيه مدة ثم أطلق سراحه . وانتهى أمره إلى أن حكم عليه طلاب النظام البرلماني ، بعد انتصارهم ، بالموت فقتل ، إذ كان متلونا وصوليا لا يثبت على خطة . وقد انقلب عليهم بعد أن كان معهم طلبا لمنفعته الخاصة .