حسن الأمين

135

مستدركات أعيان الشيعة

ذيل تجارب الأمم ما يأتي : وفيها عقد القادر على ابنة بهاء الدولة بصداق مائة ألف دينار بحضرته ، والولي الشريف أبو أحمد بن موسى الموسوي ، وتوفيت قبل النقلة ( 1 ) هذا ما ذكره أبو شجاع في ذيل تاريخ مسكويه ، والشريف المذكور أبو أحمد هو والد الشريفين المرتضى والرضي كما لا يخفى ، وكانت لهذا الشريف مساع مشكورة في الإصلاح بين رجال الدولة في ذلك العصر ، والأمثلة على ذلك غير قليلة في كتب التاريخ خصوصا في التاريخ المسمى بتجارب الأمم لمسكويه ، فلما شجر الخلاف بين أبي القاسم علي بن أحمد وبين السلطان بهاء الدولة وترددت الرسائل بينهما في العودة إلى الوزارة كان السفير بينهما الشريف أبو أحمد الموسوي . جاء في التاريخ المذكور نقلا عن الأستاذ أبي نصر « جاءني في أثناء ذلك الشريف أبو أحمد الموسوي وكان يتهمني بالميل إلى الشريف أبي الحسن محمد بن عمر ويستوحش مني لأجله فقال : بلغني أنك تصعد الليلة إلى بغداد ، وما كنت أوثر البعد عن سلطانك ، ولو وقفت وتركتني أتوصف ما بينك وبين الوزير الوارد وأتوثق بكل واحد من صاحبه لكان أولى ، فقلت : قد كنت على العزم الذي بلغ الشريف وإذ قد رأى الصواب لي في المقام أقمت يومين ، أو ثلاثة ، معولا على تفضله فيما يقرره ، وأردت بهذا القول كتمان حقيقة أمري إشفاقا من أن يعرف الوزير خبري ، فراسله بهاء الدولة فيما يعرفني به وانصرف الشريف أبو أحمد ولم تقلني الأرض حتى مضيت إلى المضرب ودعت بهاء الدولة فبكيت وبكى ببكائي وقال : لا تشغل قلبك فاني لك على أجمل نية ، وما أنفذتك إلا إلى مملكتي ، وأين كنت فإنك على بال من مراعاتي وملاحظتي « ( 2 ) ويلي ذلك تفصيل هذه القضية ، وجاء في آخرها ، أن الأمر فسد بينهم بعد ذلك ، وعول بهاء الدولة على اعتقال وزيره ، فذكره الشريف أبو أحمد العهد الذي استقر مع مهذب الدولة فعند ذلك فسح في عوده مع الشريف أبي أحمد إلى بغداد . ومن الخلفاء الذين ورد لهم ذكر [ ] في ديوان المرتضى ، الطائع وهو من الخلفاء الذين توثقت بينهم وبين الشريف المرتضى أسباب المودة ، ونفس الشريف المرتضى في القصائد التي قيلت فيه طويل منها القصيدة التي مطلعها : ما الحب إلا موئل المتعلل وبراعة اللاحي وطول العذل وفي هذه القصيدة الطويلة يشير المرتضى إلى الترفع عن الاسترفاد بالشعر ويذم الانتجاع به : أثني وما هذا الثناء لمجتد فلذاك أبعد عن مقال المبطل على أنه يذكر فيها إحسانا للطائع أسداه إليه ، وهناك أبيات في هذا الخليفة التمس فيها زيارته واستأذنه في ذلك ، ولا يخفى أن الوصول إلى الخليفة في عصر الشريف وما إليه كان صعب المنال . مأساة الطائع وللطائع مأساة معروفة في تاريخ بني العباس في القبض عليه على صورة فيها شيء كثير من الهوان والصغار ، وخلعه وأخذ خطه بالتنازل عن الخلافة « سنة 381 » واستخلاف القادر بالله وقد تم ذلك في أيام الملك بهاء الدولة الديلمي ، وفي هذه الحادثة أفاض رشاش من ذلك الهوان والصغار من شهد الحادثة في دار الخلافة ، وكان بحضرة الخليفة المخلوع ، والحاضرون الذين أصيبوا من أعيان بغداد ووجهائها ، والقصة مشروحة في كتب التاريخ ، ومهما تفنن المؤرخون والمنشئون في وصف هذا الحادث فإنهم لا يلحقون شاو الشريف الرضي شقيق المرتضى الذي بزهم جميعا في وصف ما حدث يوم الدار ، أو يوم خلع الطائع ، وكان الرضي حاضرا ذلك اليوم فخلد الحادث بنونيته البليغة السائرة ، ويقول صاحب ذيل تجارب الأمم ( 3 ) ليس في قضية الطائع ما هو خليق بالرواية إلا أبياتا للرضي أبي الحسن الموسوي - رحمه الله - فإنه كان من جملة من حضر ، فلما أحس بالفتنة أخذ بالحزم وبادر الخروج من الدار ، وتلوم من تلوم من الأماثل ، فامتهنوا وسلبت ثيابهم وسلم هو فقال : أعجب لمسكة نفسي بعد ما رميت من النوائب بالأبكار والعون ومن نجاتي يوم الدار حين هوى غيري ولم أخل من حزم ينجيني مرقت منها مروق النجم منكدرا وقد تلاقت مصاريع الردى دوني وكنت أول طلاع ثنيتها ومن ورائي شر غير مأمون من بعد ما كان رب الملك مبتسما إلي أدنيه للنجوى ويدنيني أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه لقد تقارب بين العز والهون ومنظر كان للسراء يضحكني يا قرب ما عاد للضراء يبكيني هيهات أغتر بالسلطان ثانية قد ضل ولاج أبواب السلاطين ومن المفيد أن نقول إن للشريف الرضي مرثية يرثي بها الطائع المذكور عند وفاته سنة 393 ه‍ . وللشريف المرتضى مدائح كثيرة ومراث في ذويه وأهله وبالأخص منهم والده وخاله ، وقصائده من هذا القبيل لا تخلو من حماسة وفخر ، ولكن هذا الباب أعني الفخر والحماسة في شعره قليل بالنسبة إلى ما جاء في شعر أخيه الرضي . ومن قصائده السائرة في مدح خاله الشريف أبي الحسين أحمد بن الحسن الناصر ، القصيدة التي نذكر منها هذه الأبيات المفعمة بالرقة والعذوبة ( 4 ) : يا خليلي من ذؤابة قيس في التصابي رياضة الأخلاق غنياني بذكرهم تطرباني واسقياني دمعي بكأس دهاق وخذا النوم من جفوني فاني قد خلعت الكرى على العشاق وهناك غير هؤلاء عدد من الطالبيين والعلويين توثقت رابطة الصداقة والمودة بينه وبينهم ، منهم من مدحهم غير مرة أورثاهم ، منهم النقيب أبو الحسن محمد بن علي الزينبي المتوفى « سنة 427 » فله فيه مرثية عصماء طويلة نذكر منها : ألا بكها أم الأسى والمصائب بدمعك سحا بين سار وسارب

--> ( 1 ) ذيل التجارب « ص 254 » . ( 2 ) ذيل التجارب » حوادث سنة 385 « . ( 3 ) ذيل تجارب الأمم : ( ص 201 - 202 ) . ( 4 ) مطلع القصيدة : ما رأتني عيناك يوم الفراق أخدع القلب بادكار التلاقي .