حسن الأمين
133
مستدركات أعيان الشيعة
أقبل عليه أيضا يواصل الليل بالنهار لا يبالي لشيء ولا يلتفت إلى شيء غير اللهو ، حتى أوامر الشاه كان يلقي بها جانبا لا يعتني بها في أوقات لهوه . وكثر عليه العمل حتى عجز عن النظر في جميع الرسائل الواردة والصادرة لكثرتها فسلم خاتمه إلى كتابه يتداولونه كلا في نوبة عمله ويوقعون به نيابة عنه على العرائض والرسائل على هواهم . وكانوا أحيانا يناقض بعضهم بعضا في التوقيع على الأوراق . وروى بعض معاصريه أنه كان أكولا أكل بحضوره مرة سبعين خيارة ، وأكل مرة مائة خيارة . أما سبب اغتياله فاختلفت الأقوال فيه . قيل إن مستندات وقعت في يد « اللجان الشعبية » ( 1 ) ، وهي رسائل كانت تكتب بأمر منه إلى معارضي النظام البرلماني في مختلف الايالات يدعوهم فيها إلى العمل للقضاء على هذا النظام ، فكان ذلك سببا في إقدام أنصار النظام البرلماني على اغتياله . وقيل أيضا إن هذه المستندات زورها على لسانه بعض أعدائه ثم وشوا به إلى اللجان الشعبية . بل قيل إن « محمد علي شاه » نفسه هو الذي زورها ثم تعمد ، من وراء ستار ، إيصال أمرها إلى هذه اللجان ليستفزهم إلى التخلص من « أمين السلطان » بالقتل ، إذ كان الشاه قد أصبح يحسده على نفوذه المتزايد يوما بعد يوم . فبعض رجال الدولة من المتصلين بالبلاط يعتقدون أن « محمد علي شاه » هو الذي أمر بقتله لهذا السبب . وقيل إن المخطط المقتل « أمين السلطان » إنما هو الارهابي « حيدر خان عمو أوغلي » ( 2 ) الشريف المرتضى علي بن الحسين . مرت ترجمته في مكانها من ( أعيان الشيعة ) وننشر عنه هنا الدراستين الآتيتين : قال الشيخ محمد رضا الشيبي : حسب المؤرخ الذي يعنيه الوقوف على سيرة المرتضى معولا على النظر في كتب التاريخ أن يرجع إلى ما كتب عنه قديما في المصنفات الآتية : 1 - تاريخ بغداد : للخطيب البغدادي . 2 - تتمة اليتيمة : لأبي منصور الثعالبي . 3 - التاريخ المعروف بالمنتظم : لأبي الفرج ابن الجوزي . 4 - معجم الأدباء : لياقوت الحموي . 5 - وفيات الأعيان : لابن خلكان وغير ذلك . ويبدو لمن يتصفح تاريخ المنتظم أن مؤلفه ابن الجوزي أو بعض مشايخه نظر مليا في كتب المرتضى ، وخصوصا ما صنفه في الفقه والأصولين ، فعني بنقل بعض آراء الشريف عن كتبه المذكورة ، ثم عقب بالرد على بعضها ، لذلك جاءت ترجمته في تاريخ ابن الجوزي منصبة على هذه الناحية حسب . وقد قال في آخر الترجمة : « لولا أن هذا الكتاب لا يصلح للتطويل فيه الرد لبينت عوار كلامه » . وقال قبل ذلك : « كان يقول الشعر الحسن ويميل [ لي ] إلى الاعتزال ويناظر في كل المذاهب » . هذا ولا بد لنا من القول أن هناك جانبا لا يستهان به من سيرة هذا لإمام لم يتطرق إليه هؤلاء المؤرخون ولا غيرهم حتى اليوم ، لأن هذه الناحية من سيرته كما تبدو لنا من خلال ديوان شعره تحتاج إلى تصفح هذا الديوان بأسره وقراءة كل قصيدة من قصائده وكل بيت من تلك القصائد والإكباب على تفهمها بدقة . وديوان المرتضى - كما لا يخفى - من أكبر الدواوين الشعرية حجما ، والوقت أضيق من استيعابه ، أو استبطان أغراض صاحبه ومطالبه ، والغور على معانيه ومقاصده ، وهي كثيرة ومتنوعة ، هذا من جهة ، والشريف المرتضى من جهة أخرى كان إماما في علوم الشريعة وفنون الأدب ، له مكانته ومنزلته الرفيعة في عصره ، وبالخاصة لدى خلفاء بني العباس وملوك الديالمة من البهويهيين . وكان له أصدقاؤه ورفاقه وأصحابه الكثر من أمراء الدولة ووجهاء البلاد والصدور والأعيان والأئمة في مختلف العلوم والفنون . ولا حاجة إلى القول بان الشريف المرتضى الشاعر في غنى عن الاسترفاد أو الاستجداء بشعره . ولا شك أنه نظم بعض القصائد في المديح والرثاء ، مديح الخلفاء والسلاطين ورثائهم ، وكان الباعث له على طرق هذه الأبواب من النظم ، وفاؤه وصداقته لكثير من القوم ، لذا جرد الشريف المرتضى كثيرا من شعره في معان إخوانية يذكر فيها الصديق والصداقة ، أو في مقاصد اجتماعية ، أو خوالج نفسية ، أو مشاعرات أو منافثات أدبية . ويلاحظ أن جل أصحابه ، حتى من طبقة الأمراء والسلاطين والخلفاء كانوا على منزلة عالية من المشاركة في فنون الأدب والشعر واللغة ، فكانوا يثيرون قريحته ، وينبهون عاطفته ، فيجود بما تجود به من الشعر . من ذلك أن الوزير أبا علي الحسن بن حمد ، رغب إلى المرتضى أن يعمل أبياتا تتضمن نقض المعنى الذي قصده جرير بقوله : تقول العاذلات علاك شيب أهذا الشيب يمنعني مراحي ؟ فجادت قريحته بمقطوعة مطبوعة يقول في أولها : وما مرح الفتى تزور عنه خدود البيض بالحدق الملاح منها : وقالوا : لا جناح ، فقلت كلا مشيبي وحده فيكم جناحي مشيب شن في شعر سليم كشن العر في الإبل الصحاح كاني بعد زورته مهيض أدف على الوظيف بلا جناح سقى الله الشباب الغض راحا عتيقا أو زلالا مثل راح ليالي ليس لي خلق معيب فلا جدى يذم ولا مزاحي وإذ أنا من بطالات التصابي ونشوات الغواني غير صاح وإذ أسماعهن إلي ميل يصخن إلى اختاري واقتراحي فدونكها ابن حمد ناقضات لقول فتى تجلد للواحي فقال وليس حقا كل قول « أهذا الشيب يمنعني مراحي » ؟
--> ( 1 ) في أوائل قيام النظام البرلماني في إيران ظل هذا النظام مترجرجا بين أنصاره وخصومه . وكان في حملة وقائع هذا الصراع أن تشكلت في مختلف الولايات لجان باسم « اللجان الشعبية » لمواصلة الدعم لهذا النظام ومكافحة خصومه . ( 2 ) راجع ترجمته .