حسن الأمين
110
مستدركات أعيان الشيعة
الميرزا عباس الإيرواني « الحاج الميرزا ، أو الملا ، عباس الإيرواني » . اسمه المستعار « فخري » واشتهر باسم « الحاج ميرزا آقاسي » ابن « حاجي ميرزا مسلم الإيرواني » ، وقيل اسم أبيه « الميرزا قاسم » وقيل « الميرزا سليم » . كان الصدر الأعظم ل « محمد شاه قاجار » مدة أربعة عشر عاما . ويذكره الناس في غيابه باسم « حاجي » أو « حاجي آقا » . هاجر أبوه مع عشيرته وأقاربه من « إيروان » إلى مدينة « ماكو » وسكن فيها . وكان يتعاطى مهنة الزراعة . وولد « الحاج ميرزا آقاسي » في « ماكو » سنة 1198 ه . فلما بلغ سن الرشد سافر إلى « خوي » وأقام فيها . وقضى هناك بضع سنوات في طلب العلم . فتعلم القراءة والكتابة الفارسية ودرس العلوم المرسومة في ذلك الزمان . وسافر من « ماكو » إلى بلدان أخرى من أذربيجان وغيرها ، حتى انتهى به المطاف إلى همذان . وفيها اتصل ب « الآخوند ملا عبد الصمد » الهمذاني صاحب كتاب « بحر المعارف » ، وكان يعد من كبار شيوخ التصوف . فتتلمذ له واختص به . وكان أحد مريدي « الآخوند » قد استطاع حج البيت ولكنه مات قبل أن يتهيأ له سفر الحج . فناب عنه « الملا عباس » في أداء هذه الفريضة . وأصبح « حاجي ملا عباس » . وعاد إلى همذان واشتغل بتحصيل علوم التصوف وأسراره ، يقضي أوقاته ملازما خدمة أستاذه ومرشده المذكور . وسافر الآخوند « الملا عبد الصمد » إلى كربلاء للمجاورة فيها . فتبعه الحاج « ملا عباس » ولازمه فيها ، إلى أن قتل الأستاذ المرشد سنة 1216 هفي فتنة الوهابيين يوم إغارتهم على كربلاء . فعاد الحاج « ملا عباس » من العراق إلى إيران وأعاد معه عائلة مرشده وأوصلهم إلى همذان ، ثم سافر إلى أذربيجان وسكن في تبريز ، وأخذ يعلم طريقة أستاذه ويرشد إليها ، واشتهر باسم « الحاج ميرزا آقاسي » و « الحاج ملا آقاسي » . وبعد مدة قليلة عهد إليه بتعليم أبناء « عباس ميرزا نائب السلطنة » ولي عهد « فتح علي شاه » ، وكان منهم « محمد ميرزا » الذي توج فيما بعد شاها على إيران . وأخذ الأستاذ المرتاض الإيرواني في أثناء التعليم والتدريس يؤثر في تلميذه الأمير شيئا فشيئا حتى رسخت مكانته في نفسه وأصبح قدوة له ، والشيخ يوجهه ويربيه على طريقته الخاصة ، وتحامت بينهما خصوصية ووحدة حال تامة . وقيل إن الشيخ بشره يوما ، كما اعتاد المرشدون أن يكشفوا لمريديهم عن مصائرهم ، بأنه سينال منصب السلطان على إيران . وكانت هذه النبوءة يومئذ أمرا لا يصدق لأنه غير معقول . فقد كان ل « فتح علي شاه » ستون ولدا ، فكيف يصل حفيده من دونهم إلى عرش الملك . وكانت جماعة من أبنائه قد بلغوا من المقام والعظمة بحيث أن « محمد ميرزا » لم يكن يحق له الجلوس في محضر أعمامه هؤلاء ما لم يأذنوا له ، فضلا عن أن يتخطاهم إلى أريكة الملك . ولكن « محمد ميرزا » ، مع ذلك صدق نبوءته لاعتقاده به أنه من أهل الكرامات والمقامات . واشتهر بين العامة أن « محمد ميرزا » أعطاه وثيقة ممهورة بخاتمه وتوقيعه بأنه إذا جلس على العرش الشاهاني اختاره لمنصب عظيم الدولة وجعل أمور الحل والعقد في يده . ولعل « حاجي ميرزا آقاسي » بنى نبوءته هذه على مفاد المادة السابعة من معاهدة « تركمان شاي » التي عقدت بين روسيا وإيران سنة 1243 هبعد حرب وقعت بينهما وانهزمت فيها إيران . وفي تلك المادة أجبر الروس إيران على أن تكون ولاية العهد في إيران منحصرة في « عباس ميرزا » وأعقابه . وكان « حاجي ميرزا آقاسي » مطلعا على مضمون هذه المعاهدة اطلاعا كاملا ، على حين كان اطلاع « محمد ميرزا » وأعمامه على تفاصيلها قليلا ، فكانوا غافلين عن مضمون المادة السابعة هذا . وقد اشترطت روسيا هذا الشرط لأن « عباس ميرزا » ولي العهد خالف يومئذ غيره من إخوته وغير إخوته فكان من القائلين بمصالحة روسيا ومسالمتها والتوقف عن متابعة محاربتها ( 1 ) أيد الإنكليز الروس أيضا باشتراط هذا الشرط . وظلت المادة السابعة هذه معمولا بها ، مع سائر مواد تلك المعاهدة ، إلى آخر عهد الأسرة القاجارية . وتوفي « عباس ميرزا » في سنة 249 ه . فأراد أبوه « فتح علي شاه » نصب أحد أبنائه وليا للعهد في مكانه . ولكن الروس ذكروه بمضمون المادة السابعة من معاهدة « تركمان شاي » وأجبروه على صرف النظر عن أبنائه ونصب حفيده « محمد ميرزا » ابن « عباس ميرزا » الأكبر وتلميذ « حاجي ميرزا آقاسي » وليا للعهد . وفي سنة 1250 هتوفي « فتح علي شاه » في أصفهان ، فخلفه « محمد ميرزا » هذا على العرش متخطيا أعمامه الستين أبناء « فتح علي شاه » على خلاف السنة المتبعة . واختار « محمد شاه » في مطلع حكمه لمنصب الصدارة العظمى « الميرزا أبو القاسم » المعروف ب « القائم مقام الثاني » ، رجل من أعظم رجال إيران وأقدرهم . ولم يطل به المقام في هذا المنصب أكثر من ثمانية أشهر ، من رجب سنة 1250 هإلى آخر صفر سنة 1251 ه . ومع ذلك استطاع أن يؤدي خدمات عظيمة لتثبيت « محمد شاه » واستقراره على العرش ، إذ كان كثير من أبناء « فتح علي شاه » يرون أنهم أحق بهذا المنصب منه ويسعون إليه بقوى يحسب حسابها ، وأقر أمور البلاد الداخلية ونظمها . فلم تعجب هذه السيرة سياسة الأجانب ومطامع المنافسين في الداخل . فقامت عليه الدسائس والمؤامرات ، وما زالوا ب « محمد شاه » يغرونه بهذا الرجل العظيم ويحرضونه على قتله حتى قتله . وبعد قتله تنافس للحصول على منصب الصدارة العظمى كثيرون من الكبار ، ومنهم « حاجي ميرزا آقاسي » . وكانت النتيجة أن اختار « محمد شاه » لهذا المنصب معلمه ومرشده هذا ، وهو يجهل كل شيء عن السياسة والإدارة . فكان اختيارا سيئا ، آذى به « محمد شاه » أكثر أهل المرتبة الأولى من رجال الدولة وأغضبهم ، خصوصا أن هذا الرجل الذي لا دراية له ولا خبرة عنده جاء خليفة لذلك الصدر الأعظم الخبير الماهر المحنك . ولكن الشاه كان يعده قطب الفلك ومدار الشريعة والطريقة ومصدر الكشف والكرامة ويعايشه بعقيدة حسنة ونية صافية ! ومن ثم اختلت أمور المملكة وانقطعت رواتب الموظفين . ولم يلبث أن نفر منه الخاص والعام . نفروا من صورته ومن سيرته ، وكلتاهما عجيبة غريبة . فقد كان شكل وجهه منفرا وكان طبعه حادا ، دائم
--> ( 1 ) راجع ترجمة « حسن علي ميرزا شجاع السلطنة » وترجمة « عباس ميرزا » نائب السلطنة .