حسن الأمين
85
مستدركات أعيان الشيعة
الشيخ الأنصاري صاحب المكاسب والرسائل وغيره ثم رجع إلى إيران وسكن ( سبزوار ) برهة من الزمن مستفيدا في الفلسفة من بحوث المولى محمد هادي السبزواري صاحب المنظومة ، ثم دخل في سلك التصوف والعرفان وبعد وفاة محمد كاظم سعادة علي شاه الأصفهاني قام مقامه في الزعامة الصوفية وكان يسكن بيدخت من قرى جناباذ إلى أن قتل في سحر يوم 26 ربيع الأول سنة 1327 ودفن هناك وأقيمت على قبره قبة عالية . له مؤلفات منها بيان السعادة في مقامات العبادة في تفسير القرآن الكريم . 2 - معادن نامه - 3 - ولايت نامه 4 - بشارة المؤمنين 5 - مجمع السعادات 6 - تنبيه النائمين 7 - توضيح 8 - إيضاح . ( 1 ) هذا ما كتبه لنا الشيخ محمد السمامي ، وقد كتب الشيخ سلطان حسين تابنده رضا علي شاه الجنابذي حفيد المترجم - كتب ترجمة لجده نشرها مقدمة لكتاب جده في التفسير المسمى ( بيان السعادة في مقامات العبادة ) ، نأخذها فيما يلي : بيانا لوجهة نظرهم الصوفية ، فالمترجم كان من اعلام الصوفيين في عصره ، وحفيده الكاتب هو اليوم شيخ صوفيي إيران . وقد زرناه في منزله في طهران على أمل استقصاء بعض الحقائق عنهم وبيان وجهة نظرهم ودفاعهم عما يرميهم به مهاجموهم من خروج على العقائد الصحيحة ، فلم يتسن لنا في تلك الجلسة التبسط في الحديث ، فاحالنا الشيخ على رسائل مكتوبة بالفارسية ، قال أنها تفي بالمرام ، ولما كنا نجهل الفارسية فقد سلمها الشيخ لأحد المريدين ليسلمها لمن يترجمها إلى العربية ثم يوصلها إلينا . وبالرغم من بقائنا في طهران أكثر من شهر ونصف الشهر فلم يصلنا شيء . وإليك ما كتبه الحفيد عن جده المترجم . وقد تركنا تعابيره - على عجمتها - كما هي حفظا للنص ، ولم نبدل إلا القليل الذي كان لا بد من تبديله : كان شيخ السجادة في الطريقة النعمة - اللهية ومن أشهر العلماء والعرفاء في القرن الأخير ، وكانت ولادته على ما كتبه والده المرحوم المولى حيدر محمد بخطه في ظهر القرآن الموجود صورته الفوتوغرافية في كتاب « نابغة علم وعرفان » في الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين بعد الألف ، وحين بلغ ثلاث سنين سافر والده إلى بعض بلاد إيران ثم إلى الهند وفيها انقطع خبره ، وابتلي المترجم بفراق والده وصار تحت حضانة أخيه محمد علي وعند بلوغه ست سنين شرع بأمر أمه وأخيه في تعلم القرآن المجيد والكتب الفارسية وفي مدة خمسة شهور صار ناجحا فيه وبعد ذلك لم يساعده التوفيق لإدامة التحصيل واشتغل بالأمور الدنيوية بأمر أخيه حتى بلغ عمره سبع عشرة سنة ، واشتغل مرة أخرى بتحصيل العلوم الدينية المتداولة ابتداء في موطنه وسافر بعد تحصيل العلوم الأدبية إلى المشهد المقدس الرضوي ( ع ) ، ولتكميل العلوم الدينية إلى النجف الأشرف والعلوم العقلية والفلسفية إلى سبزوار ، واستفاد من محضر الحكيم العارف الزاهد المتأله الحاج ملا هادي سنين متوالية ومتناوبة ، وبعد تكميل العلوم الظاهرية والتفوق والتبحر فيها أدركته جذبة من جذبات الحق بوسيلة الحاج ملا هادي وهدايته ، وسافر في طلب المقصود إلى أصفهان وتشرف بأخذ الأذكار القلبية والدخول في طريقة النعمة اللهية عند المولى العارف الجليل الحاج محمد كاظم سعادة علي شاه تغمده الله بغفرانه . وفي العود إلى جنابذ تزوج صبية الحاج ملا علي البيدختي حيث أمره مرشده بإطاعة أمر أمه في الزواج وبعد مدة قليلة تهيجت أشواقه لتجديد زيارة شيخه وسافر إلى أصفهان . وفي سنة 1284 صار مفتخرا بأخذ إجازة الإرشاد وتلقين الأذكار القلبية والأوراد المأثورة وملقبا في الطريقة بلقب سلطان علي شاه ، وفي سنة 1293 توفي شيخه وتمكن هو في مقامه وصار شيخ السجادة في طريقة النعمة اللهية وتوجه السالكون إلى الله إليه ، وصار مقره بيدخت من قرى جنابذ ( 2 ) محط رحال الوافدين ولم تكن جنابذ إلى هذا الزمان معروفة وبعد تمكنه هذا اشتهر اسم جنابذ في بلاد إيران تدريجيا وكان ذلك واحدا من بركات وجوده هناك . في سنة 1305 تشرف بالحج وزيارة البيت وعند رجوعه تشرف بزيارة الأعتاب المقدسة في العراق ولاقى بعض العلماء والفقهاء من الشيعة في هذه البلاد مثل المرحوم الشيخ زين العابدين المازندراني وأبنائه والمغفور له الحاج ميرزا حسن الشيرازي وغيرهم فبجلوه وعظموه . وبعد عوده إلى إيران وتوقفه بطهران حضر بخدمته أكثر رجال العلم والفقه والسياسة ، وملك القاجار ناصر الدين شاه حينئذ كان بجاجرود ، ولما سمع بقدومه إلى طهران أرسل رسولا إلى طهران وأبرز علاقته إلى الملاقاة وأخبر أنه سيعود إلى طهران للقاء حضرته ولكن بعد ما استمع حضرته هذا استعجل في الحركة قبل قدوم جلالة الملك إلى طهران ، وقال : نحن المساكين مجالسو المساكين ، ما لنا وللملوك ! وعند عوده إلى جنابذ صار مدة متمكنا هنا ، وبعد سنين سافر مرة أخرى لزيارة المشهد المقدس الرضوي ( ع ) وصار هنا مسموما ولكن استعلج ورفع عنه الخطر ولكن لم ينل صحته الأولية . حضرته كان مشتغلا بالأمور الزراعية لتحصيل وسائل المعاش لأنه كان معتقدا بلزوم الكسب لتحصيل المعاش على ما أمر به المولى السيد نعمة الله الولي اتباعه ومريديه بالكسب وترك البطالة وهو مع ذلك لم يترك المطالعة والتدريس والتأليف وإرشاد الخلق وإعانة المساكين وقضاء حوائج المحتاجين بل كان يشتغل بمعالجة المرضى أيضا حتى صار مشتهرا بالحذاقة في الطب . كان كثير التنسك والعبادة ولم يفت عنه تهجد الأسحار وكان مولعا بإقامة شعائر الدين والمذهب ، مثل صلاة الجماعة ومجالس الذكر وقراءة القرآن وإقامة عزاء أهل البيت ع ، وكان قانعا من الدنيا في الأكل واللبس بأقلها ، وكان يأمر اتباعه ومريديه أيضا بالمحافظة على الآداب الدينية ، وإذا رأى أو سمع في بعض المريدين خلافا لم يتمكن في أمر الدين من كظم الغيظ والكتمان بل كان يشدد ويغلظ عليه حتى أنه طرد بعضا من المريدين على أثر عدم مراقبتهم لآداب الشرع بعد تذكيره إياهم للمراقبة وعدم تأثيره فيهم . ولا غرو أن نذكر هنا استطرادا خصائص من طريقة النعمة اللهية : منها أن السيد وخلفاءه إلى الآن أمر جميع مريديه بمحافظة آداب الشرع المقدس النبوي ( ص ) من العمل بالواجبات والسنن وترك المحرمات بل المكروهات ، لأن تخلية القلب عن غير الله تستلزم إطاعة الرسول وأولي الأمر واتباع أحكامه ، لأن المحب لا يجوز له بل لا يمكنه مخالفة أمر المحبوب ، وكل من ادعى محبة الله يلزمه إطاعة أوامره وأوامر الرسول ، حيث قال : * ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني [ يحبببكم ] يحببكم الله ) * ، وما لم يتزين الظاهر والجوارح بحفظ حدود الله لا يتأدب القلب بآداب الروحانيين ، ولهذا ليس في هذه الطريقة ما يخالف الشرع الشريف من الاعتقادات الباطلة والبدع والأعمال المنهية حتى السماع ، ومجالس الذكر أيضا منزهة عن جميع هذه الأمور . ومنها أن الاخوان في هذه الطريقة مأمورون بترك البطالة والانزواء والرهبانية وبالاشتغال بواحد من الأشغال الدنيوية المباحة لتحصيل المعاش حتى يغنيهم عن غيرهم في المعاش ، لأن الإنسان محتاج في الدنيا إلى الأكل والشرب واللبس والمسكن وكلها من الضروريات للحياة الدنيوية والوصول إليها يكون اما بالكسب أو السرقة أو السؤال وإظهار احتياجه إلى الغير ، وكل ما كان بدون
--> ( 1 ) الشيخ محمد السمامي . ( 2 ) جنابذ : بلدة في خراسان الإيرانية