حسن الأمين
46
مستدركات أعيان الشيعة
لفتة كان جبارا ظالما في منتهى الجور فاتفق رؤساء طوائف كعب على قتله والتخلص منه فتامروا بواسطة الشيخ جعفر ووعدوه بالزعامة والرئاسة عليهم فقبل الشيخ جعفر ونفذ المؤامرة بمساعدة زوجته بنت الشيخ لفتة فقتل الشيخ لفتة هو وابنه الشيخ بشير الحاكم في منطقة الجراحي في ليلة واحدة . وبعد نجاح المؤامرة ترأس الشيخ جعفر إمارة كعب ولكن لفترة قصيرة إذ سرعان ما وقع الخلاف في بيت آل بو ناصر واشتغلوا بأنفسهم بعد ما خلعوا الشيخ جعفر . فاستغل الحاج جابر جد الشيخ خزعل هذا الضعف على بعد من أعين آل بو ناصر فجمع حوله أفرادا وشكل له شبه حكومة بما كان يغدق على جماعته من الأموال الطائلة التي حصل عليها من بعض البواخر الإنجليزية التي أصيب أفرادها بمرض الطاعون فقويت شوكته واشتد عوده حتى صار ملجا لكل هارب وساخط على بيت آل بو ناصر فأعلن نفسه شيخا وبقي على تلك الحالة حتى وفاته ثم انتقلت الرئاسة إلى ابنه مزعل ثم إلى أخيه خزعل بعد أن قتل مزعلا . وفي هذه الفترة اتفق زعماء كعب على زعامة الشيخ عبد الله أبي الشيخ جابر المترجم له ولكنه كان ورعا فتحاشى الزعامة العشائرية لما تصحبه غالبا من الخروج على القوانين الإسلامية والعمل بالظلم والجور فبعد [ حمسة ] خمسة أشهر من الرئاسة تنازل عنها وانتقل إلى مدينة المحمرة بعد أن ودع الفلاحية مركز إمارة كعب القوي حتى وافاه أجله فتوفي في المحمرة ونقل جثمانه إلى مدينة النجف الأشرف فخلفه الشيخ جابر المترجم له وهو في سن الشباب وكان معاصرا للشيخ خزعل الذي كان يتولى إمارة المحمرة ونواحيها وتمكن من السيطرة حتى على مركز كعب وهو الفلاحية بل على كافة الدورق ونواحيها . كان الشيخ خزعل يعلم بأنه لو برزت شخصية قوية ذات نفوذ في بيت آل بو ناصر فسوف يكون مهددا في زعامته ورئاسته ولذا حاول أن يبيد زعماء كعب حتى وصل الدور إلى الشيخ جابر وهو ذو مطامع وذو همة عالية ولذا استغله الإنجليز للضغط على الشيخ خزعل وتخويفه فدعا الإنجليز الشيخ جابر إلى العراق ولوحوا به للشيخ خزعل فرضخ لمطاليبهم بالنفط وتنازل لهم عن النصف فلما تم لهم ما أرادوا تخلوا عن الشيخ جابر فبقي الشيخ جابر مدة في العراق ثم عاد إلى المحمرة ولم يصغ إلى من حذروه من الرجوع خوف البطش به من قبل الشيخ خزعل . فصار الشيخ خزعل يتحين الفرص للغدر به حتى واتته الفرصة في حفل زواج ابنه عبد الحميد الحاكم على مدينة الأهواز ففي حفلة الزواج دس سما موضوعا في ( كوب ) القهوة إلى الشيخ جابر فلما أحس الشيخ جابر بالسم خرج فورا من الحفلة ودعا طبيبا إنجليزيا كان يقوم بمهنة الطبابة بالإضافة إلى عمله الرسمي كقنصل بريطاني في مدينة المحمرة فعالجه الطبيب المذكور المدعو ( لين كن ) فتمكن من إنقاذ حياته ولكنه أصيب بشلل في نصف بدنه وبقي مقعدا إلى آخر حياته . ولقد حالف الحظ جابر إذ أبعدت السلطة الإيرانية الشيخ خزعل إلى طهران [ محجوزا ] محجورا عليه ومفروضا عليه الإقامة الجبرية في العاصمة الإيرانية . فتألق نجم الشيخ جابر خصوصا بعد ما منحته الحكومة الإيرانية أوسمة وأحكاما مؤكدة بذلك زعامته على كافة طوائف كعب فأصبح الشيخ جابر زعيما بلا منازع في المنطقة ورئيسا مقتدرا فدعا قبائل كعب المشتتين في العراق والكويت وسائر أنحاء البلاد الإيرانية فارجع عشيرة ( النصار ) من الكويت وأسكنهم محلهم السابق في منطقة ( القصبة ) وكذلك فعل بالنسبة إلى عشيرة دريس ( مخفف إدريس ) حيث كانوا في العراق فأسكنهم منطقة عبادان وبذلك فقد التام شمل عشائر كعب في عبادان والمحمرة والقصبة والدورق ونواحيها وأصبح الشيخ جابر سيدا مطاعا نافذ الكلمة ومسموع القول هذا بالإضافة إلى صفاته الحميدة من كرم وسخاء نفس وعلو همة مع تواضع جم وكانت له صلات وثيقة مع العلماء سواء في منطقته كالسيد عدنان الغريفي أو في النجف الأشرف كالشيخ محمد رضا آل ياسين والسيد أبي الحسن الأصفهاني والشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء . توفي الشيخ جابر في يوم الأربعاء 21 من شهر جمادى الأولى سنة 1373 عن عمر ناهز السبعين فشيع تشييعا شعبيا ورسميا ثم نقل جثمانه إلى النجف الأشرف فدفن في احدى غرف باب الطوسي من الصحن الحيدري الشريف وقد خلف ثلاثة أولاد ذكور وهم : عبد الرزاق وبهادر وعباس وانتقلت رئاسة كعب من بعده إلى ابنه عبد الرزاق ثم إلى عبد الرحمن بن بهادر . وقد رثى المترجم له جملة من الشعراء منهم الخطيب الملا مهدي الشويكي بقصيدة منها : فلا غرو أن تبكي له ( آل ناصر ) دموع دم تحكي السحاب إذا همى وتغدو عليه ( آل إدريس ) نوحا ترى الحزن فرضا والسلو محرما وتضحى له ( النصار ) قرحى قلوبها تجرعها الأحزان صابا وعلقما فقد كان فيهم طود عز ومنعة فغادره صرف الردى متهدما . ( 1 ) جابر بن حيان : مرت ترجمته في الصفحة 30 من المجلد الرابع وننشر عنه هذه الدراسة مكتوبة بقلم الدكتور حسين مروة : شكوك وغموض إن « جابر » رغم شهرة اسمه وشهرة آثاره العلمية في الأوساط الأكاديمية العالمية ، منذ عصر النهضة الأوروبية حتى اليوم ، قد أحيطت شخصيته ، عن قصد أو غير قصد ، بأستار من الشكوك لم تقتصر على ناحية واحدة ، بل شملت أكثر من ناحية . . فقد اختلف في تاريخ مولده ومكانه ، واختلف في أصله ومذهبه ومكان نشأته ، واختلف في نسبة بعض مؤلفاته إليه ، بل لقد اختلف حتى في حقيقة شخصيته ، هل هي شخصية واقعية أم خيالية ! . . ليس نادرا في تاريخ الفكر العربي ان تحاط بالتشكيك شخصيات اشتهرت أسماؤها وآثارها في الأدب أو الفلسفة أو العلم ، كإمرئ القيس ، وابن طفيل ، كما حصل التشكيك بكثير من مشهور الكتب والدواوين والقصائد في تاريخنا الثقافي ، من حيث نسبتها إلى شخصيات متعددة في عصور متباعدة . ولعل هذه الظاهرة نشات من اضطراب الأحداث التاريخية وتداول الآثار الفكرية بين ذوي الخصومات في الحكم والسياسة والمذاهب ، وضياع الكثير من الأسانيد والوثائق الصحيحة والمؤلفات العديدة الكاشفة ، وتشتت الكثير من مخطوطاتها الأصلية أو المنسوخة في بلدان الغرب والشرق ، أثناء عصور الفتح والغزو والاستعمار الأجنبي التي تتابعت على بلاد العرب . وقد تعرض جابر بن حيان لخصومات سياسية ومذهبية وشخصية ، أثناء حياته ذاتها ، فرضت عليه الاختفاء والتشرد زمنا ، وتركت جرائرها تعمل في آثاره العلمية تضييعا وتحريفا وتشكيكا بعد ذلك . ومهما يكن من فعل هذه العوامل كلها ، فان أسباب التشكيك بشخصية جابر بن حيان وبنسبة بعض آثاره إليه ، لا تقوى على الثبات أمام النقد العلمي الموضوعي ، ولا تستطيع أن تطمس حقيقة وجوده وشخصيته وحقيقة كونه هو مؤلف تلك الآثار العديدة المنسوبة إليه .
--> ( 1 ) السيد علي العدناني الغريفي .