حسن الأمين
36
مستدركات أعيان الشيعة
كما رأينا . وقد يقول لنا الكثيرون ، ان هذا صحيح ، لكن الزهد أدرك أبا العتاهية في أخريات عمره ، وشعر الزهد عنده تعبير عن حالته هذه التي انتهى إليها في هذه المرحلة من حياته . قلنا في جواب ذلك ، إن هذا غير صحيح قطعا ، لأن شعر الزهد الذي عرف عن أبي العتاهية ، قد استغرق معظم شعره ، إن لم نقل أنه استغرق كل شعره حتى المديح وشعر الهجاء ، ليس بمعقول أن يكون قد نظم كل هذا الشعر في المرحلة الأخيرة وحدها من عمره ، ثم لأن هناك ما يدلنا أن أبا العتاهية كان يقول هذا الشعر الذي يسمونه شعر الزهد حتى في أوائل عمره ، وفي عنفوان قوته وفتوته . ولعلك تذكر قصته ، في الفصل السابق ، مع بعض فتيان الكوفة حين مر بهم ، في أوائل أمره - كما يقول الأغاني - وعلى ظهره قفص فيه فخار يدور به في الكوفة ويبيع منه ، فرآهم يتذاكرون الشعر ويتناشدونه ، فحياهم ، ثم عرض عليهم أن يقول شطر بيت من الشعر وراهنهم بعشرة دراهم أن يجيزوه ، فان فعلوا دفع هو الرهان وإن عجزوا دفعوه هم ، وقد رأيت أن الفتيان قد خسروا الرهان فأكمل هو الشعر ، وكانت قصيدة ، وإذا موضوع القصيدة ، كلها يدور على الموت والاعتبار بهذه الدنيا ومفارقتها بما بعد الموت ، ويجب أن تتذكر هنا قول الأغاني ، مرة أخرى ، بان هذا كان في أوائل أمره ، أي في شباب عمره ، لا في آخر حياته ، ولعلك تذكر أن الشطر الذي اقترح على الفتيان أن يجيزوه ، كان نداء للأموات : « يا ساكني الأجداث أنتم » . ثم أكمله هكذا : يا ساكني الأجداث أنتم مثلنا بالأمس كنتم يا ليت شعري ، ما صنعتم أربحتم أم خسرتم ؟ فقد كان أبو العتاهية - إذن - منصرفا إلى هذا اللون من الشعر ، منذ بدأ يقول الشعر ، ويبدو انه لم يقله ، منذ أوائل أمره ، فينصرف إليه ويكون غاية له « وعملا » بعد ذلك ، بل قاله وهو يصنع الجرار ويدور في الكوفة وقفص الفخار على ظهره يبيع منه ، أي أنه قال الشعر تعبيرا عن إحساس هذه الطبقة التي عاش حياتها ، وعانى مأساتها ، وحمل ثقلها على ظهره وزنده وفي أعماق نفسه وفي مطاوي معدته . . . ثم كان شعره تعبيرا عن كل هذه الطبقات الاجتماعية التي كانت تمتحن امتحانا شديدا بالفقر وكان يستعبدها الخوف الدائم من الحاجة ، حتى كان الموت أحب إليها من الحياة ، لأنه كان للموت في نفوسها وأذهانها معنى الراحة من المأساة الدائرة على رؤوسها في زمان كان « يلح الناس فيه على تيه الملوك وأخلاق المساكين « . . ويبدو لنا ان هذا الذي نقول ، هو مصدر هذه البساطة والسهولة والوضوح في شعر أبي العتاهية ، فقد كان شعرا جماهيريا ، لأن قائله كان في أعماق الجماهير حين انبثق عنه الشعر أول الأمر ، ثم صار طوال حياته يعبر عن روح مجتمعه ، وعن نفسية جمهوره وعن إحساس عصر الترف المفرط إلى جانب الفقر المفرط ، وهو إحساس بالخلل الاجتماعي أولا ، ثم تطور فصار إحساسا بتفضيل الموت على حياة يسودها هذا الخلل الاجتماعي الفادح الفاحش . وإنه ليبدو لي ان أبا العتاهية ، قد وعى مهمته في ذلك المجتمع ، وإنه بعد أن كان يصدر « شعر الزهد » عن مجرد إحساس باطني ينعكس عن إحساس جمهور الكادحين ، صار يصدر هذا الشعر عن قصد إليه وعن وعي كامل واضح ، وعن تطوع لنقد الملوك وذوي الترف من أهل القصور وأهل السلطان ، بهذا الأسلوب الجماهيري ، وبهذه الطريقة الرمزية - إذا صح التعبير - لكي ينجو من أذى الملوك ، ولكنه لم ينج من ذاك . ولعل كل ما لقيه من أذى السجن ، كان بسبب هذا ، لا بسبب ما قيل مثلا من إبائه على الرشيد أن ينظم له شعر الغزل ، أو بسبب تهمته بالزندقة ، وقد يكون الرشيد قد حبسه فعلا لإبائه نظم الغزل ، وهو يقصد أن يصرفه عن ذلك الشعر الذي يدس فيه سخط الناس ونقمتهم على ما في حياتهم من مكاره وما في مجتمعهم من خلل فادح فاحش ، وقد تكون الزندقة أيضا ، ليست إلا للانتقام منه ذلك لأن الرجل كان أبعد أهل زمانه عن الزندقة كما يدل شعره ، وتدل سيرته . ولدينا من سيرته مع الخلفاء الذين عاصرهم جميعا ، ما يصح أن يكون دليلا على ما نقوله ، ومن ذلك ما رواه ( 1 ) لنا أبو العتاهية نفسه من أنه حين ماتت بنت الخليفة المهدي ، وحزن عليها حزنا شديدا حتى امتنع عن الطعام والشراب ، جاءه - أي أبو العتاهية - يعزيه عنها ، فأنشده قصيدة يخاطبه فيها : لا تلعبن بك الدنيا ، وأنت ترى ما شئت من عبر فيها ، وأمثال ما حيلة الموت إلا كل صالحة أو لا ، فما حيلة فيه لمحتال فكان الشاعر قد اغتنم الفرصة ليقرع سمع الخليفة بان الدنيا تلعب به ، وقد كان هذا دأبه مع المهدي في كثير من المناسبات ، فقد روى لنا هو نفسه أيضا - كما في الأغاني - إن المهدي أخرجه معه إلى الصيد مرة ، فابعد الخليفة في الأرض وتفرق رجال الحاشية في طلبه ، وكان الشاعر معه فاجتازا واديا فاجاهما فيه مطر شديد ، وتدفق السيل في الوادي ، فإذا هناك ملاح يعبر الناس ، فلجا الخليفة والشاعر إليه ، فأدخلهما في كوخ له ، وكاد المهدي يموت بردا ، فغطاه الملاح بجبة صوف له ، ونام حتى أدركه رجال الحاشية ، فعرف الملاح منهم إنه الخليفة فهرب ، وتبادر الغلمان فازاحوا لبدة الصوف عن المهدي ، والقوا عليه الخز والوشي والديباج ، فلما انتبه وسال عن الملاح قيل له إنه هرب ، فجعل يلوم نفسه على ما أغلظ له من القول حين لقيه ، وطلب من أبي العتاهية أن يهجوه جزاء ما فعل بالملاح ، فأظهر أبو العتاهية ، أول الأمر ، امتناعه عن هجو الخليفة ، ثم قال ، مغتنما هذه الفرصة ، يخاطب الخليفة : يا لابس الوشي على ثوبه ما أقبح الأشيب في الراح فقال المهدي : زدني بحياتي ، فقال أبو العتاهية : لو شئت أيضا ، جلت في خامه « 2 » . وفي وشاحين وأوضاح « 3 » فانتفض المهدي هنا ، لأنه أدرك ما يعني أبو العتاهية ، وقال له : - ويلك ! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس ، وأنا استاهل . زدني شيئا آخر ، فقال أبو العتاهية : « أخاف أن تغضب » . فقال المهدي : « لا والله » . فأنشد : كم من عظيم القدر في نفسه قد نام في جبة ملاح
--> ( 1 ) قطوف الأغاني ج 5 - ص 118 .