حسن الأمين

33

مستدركات أعيان الشيعة

من آثارها مجموعة مكاتبات ورسائل وديوان شعر . ( 1 ) أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم : مرت ترجمته في المجلد الثالث ، وننشر هنا هذه الدراسة عنه ، وهي بقلم الدكتور حسين مروة : يدور هذا السؤال في نفسي منذ زمن ليس بالبعيد ، هل كان أبو العتاهية زاهدا بالحياة حقا ؟ وكنت قبل هذا على يقين بان أبا العتاهية شاعر زهد بالحياة حقا واعتزل طيباتها اعتزال الناسك المتبتل دون ريب ، غير أن هذا اليقين عندي كان مصدره التقليد والتلقين والمحاكاة ليس غير . وقد تناقلت أجيالنا الأدبية كلها هذا الرأي الشائع بمحض التقليد والتلقين والمحاكاة كذلك ، وبمحض النظر إلى ظاهر هذا الشعر الكثير الذي نظمه أبو العتاهية في ذم دنياه ، وفي إنذار الناس بالموت ، وتزهيدهم بالحياة . ولكني أخذت أشك في هذا الرأي ، مذ رأيت في سيرة هذا الشاعر ما يدل ان الزهد والتنسك ليسا من طبيعته ، ومذ أتيح لي أن أفهم ان إنسانا يزهد بالحياة هذا الزهد الذي ينسبونه إلى أبي العتاهية ، لا بد أن يكون على شيء من النقص في حيويته وإنسانيته ، وما وجدت أبا العتاهية إلا إنسانا مستوفز الحس ، مستكملا كل عناصر الكائن الحي المدرك ، متأهبا ابدا لتذوق الحياة والإقبال على ما تستطيع أن تقدمه إليه من صنوف الطيبات ومتع الحس والنفس والعقل جميعا . ولكن الشك في زهد أبي العتاهية ، لا بد أن يستتبع هذا السؤال : ترى ، كيف صح لهذا الشاعر ، إذا لم يكن قد زهد حقا بالحياة ، أن يقف معظم شعره على هذا اللون القاتم من الشعر ، لا ينفك يذكر الموت فيه ، ويردد أنه مصير كل حي ، وإن أمجاد الحياة كلها صائرة إلى الفناء ؟ وجواب هذا السؤال ، هو ما نريد أن نعالجه في هذا الفصل عن أبي العتاهية . وليس يمكننا أن نبلغ القصد هذا ، دون أن نرجع إلى نشأة الشاعر وظروف زمنه ومجتمعه . لقد ولد شاعرنا عام 130 هجرية ( 748 م ) في قرية عين التمر بالعراق ، وهي الآن بلدة إلى الغرب قليلا من مدينة كربلاء ، ثم نشا بالكوفة يصنع الجرار الخزفية الخضر هو وأهله ، وقد ظل على هذه الصنعة عهدا طويلا من عمره ، وفي بعض أخباره انه ظل في صنعته هذه حتى بعد أن قال الشعر واشتهر به ، فقد روى الصولي عن عبد الحميد بن سريع مولى بني عجل انه رأى أبا العتاهية وهو جرار ( أي يصنع الجرار ) يأتيه الأحداث والمتأدبون ، فينشدهم أشعاره ، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبون فيه هذه الأشعار . وفي الأغاني رواية أخرى تقول ان أبا العتاهية ، اجتاز في أول أمره ، وعلى ظهره قفص فيه فخار يدور به في الكوفة ، ويبيع منه ، فمر بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشدونه ، فسلم عليهم ووضع القفص عن ظهره ، ثم قال : - يا فتيان ، أراكم تتذاكرون الشعر ، فأقول شيئا منه فتجيزونه ( 2 ) فان فعلتم فلكم عشرة دراهم ، وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم . فهزئ الفتيان منه ، وقالوا : نعم . فاشترط أن يشترى بقيمة الرهان رطب يأكلونه معا حتى لا يكون قمارا ، ثم أنشد هذا الشطر : ساكني الأجداث أنتم وجعل بينه وبينهم وقتا ، إذا مضى ولم يجيزوا البيت ، فاز هو بالرهان وجعل يهزأ بهم حتى انقضى الوقت ، فتممه : ساكني الأجداث أنتم مثلنا بالأمس كنتم ليت شعري ما صنعتم أربحتم أم خسرتم ومضى هكذا ينشد حتى قال قصيدة طويلة على هذه المعاني ، وسنرجع إلى هذه القصة والقصيدة نستفيد منها أمرا آخر ذا شان . واسم شاعرنا إسماعيل بن القاسم ، وتنتهي نسبته إلى عنزة بالولاء ، فقد كان جده « كيسان » في عين تمر حين غزاها خالد بن الوليد ، وكان يتيما صغيرا يكفله قرابة له من عنزة ، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهل عين تمر ، وبعث بهم إلى أبي بكر ، وهناك أستوهبه عباد بن رقاعة العنزي من الخليفة ، فوهبه إياه ، ثم أعتقه ( أي حرره من الأسر ) فتولى كيسان عنزة منذ ذاك ( أي صار مواليا لهم ) ، تقديرا لصنيع عباد هذا معه . وقد نال أبا العتاهية من أصله هذا ، شر كثير وعيره به كثيرون ، ومن ذلك ما قاله ابن الأعرابي حين أنشده أحدهم هجاء أبي العتاهية لعبد الله بن معن بن زائدة : - أعجب لعبد يهجو مولاه ( أي سيده ) . ويبدو ان شاعرنا كان يتأذى بهذا ، وكان يدفع عن نفسه تعيير الخصوم بمثل قوله : ألا ، إنما التقوى هو العز والكرم وحبك الدنيا هو الفقر والعدم وليس على عبد تقي نقيصة إذا صحح التقوى ، وإن حاك أو حجم وفي هذا إشارة إلى ما قيل من أن أباه القاسم كان حجاما ، وقد تركت هذه الصنعة في نفسه أثرا بعد ذلك ، فقد قيل إنه حين التزم النسك في أخريات عمره ، أخذ يحجم اليتامى والفقراء بالسبيل ( أي من غير أجر ) . وقد سئل عن سبب إيثاره هذا العمل ، فقال : - أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدنيا ، وأضع منها ليسقط عنها الكبر ، وأكتسب بما فعلته الثواب . ولكن الصولي يقول أن حمدويه الذي كان يتتبع الزنادقة ، أراد أن يقبض أبا العتاهية بتهمة الزندقة ، فتستر بالحجامة . وكنيته ، بالأصل « أبو إسحاق » ثم كني « أبا العتاهية » لأن الخليفة العباسي المهدي ، قال له يوما : أنت إنسان متحذلق متعته . . فكنوه « أبا العتاهية » وقيل إن سبب هذه الكنية انه كان يحب الشهرة والمجون والتعته ( أي التظاهر بالجنون ) . وقد عرف الناس شاعرنا في الكوفة ، وفي بغداد بعد ذلك ، إنه رجل متخنث وقالوا إنه كان يحمل لبعض المتخنثين حاجاتهم وقالوا - إلى ذلك - إنه كان رشيق القامة أبيض اللون أسود الشعر ، له وفرة ( 3 ) جعدة ، وهيئة حسنة ، ولباقة ، وحصانة . ولعلهم نسبوا إليه التخنث لهذه الصفات فيه ، ولأناقته ونظافته ، رغم كونه عاملا يصنع الجرار كما علمنا . وفي سيرة أبي العتاهية ، وفي شعره الكثير ، دلالات ظاهرة واضحة ،

--> ( 1 ) شيخ محمد السمامي . ( 2 ) تجيزونه : يقصد تكملونه . ( 3 ) الوفرة : الشعر المجتمع على مقدم الرأس .