حسن الأمين
315
مستدركات أعيان الشيعة
البحتري برقته وأنغام موسيقاه وأشجانه رثائي النزعة محزونا . وقد لاحظ ابن خلكان من قبل ان البحتري كثيرا ما كان ينشد أبياتا محزونة ملتاعة منها : حمام الأراك ألا فأخبرينا لمن تندبين ومن تعولينا لشققت بالنوح منا القلوب وأبكيت بالندب منا العيونا تعالي نقم ماتما للهموم ونعول إخواننا الظاعنينا ونسعدكن وتسعدننا فان الحزين يواسي الحزينا وتعتبر رائيته في التي قالها في المتوكل من أهم ما قال في هذا الغرض الشعري والتي بدأها بالوقوف على أطلال « الجعفري » قصر المتوكل والتي مطلعها : محل على القاطول اخلف دائره وعادت صروف الدهر جيشا تغاوره حيث يلم البحتري بما يمكن أن نسميه رثاء الحضارة كما في قصيدته في رثاء إيوان كسرى وفي قصيدة معاصره ابن الرومي في رثاء البصرة وإذا تأملنا قصيدته هذه وجدنا مفرداته قوية جزلة وكذلك صوره فإنها قاتمة دامية عنيفة وموسيقى البحر والألفاظ تتسق مع الموضوع تماما فهي هادرة صاخبة وكأنها تحكي صخب الأسلحة التي استخدمت في مقتل المتوكل ويرى البعض ان هذه القصيدة كتبت بعد تسلم المعتز الملك اثر مقتل المنتصر لما فيها من تعريض واتهام لهذا الأخير بالمشاركة في قتل والده تقربا للمعتز . ويذهب البعض الآخر إلى أن القصيدة قيلت اثر مقتل المتوكل وأضيفت إليها الأبيات التي تعرض بالمنتصر أيام المعتز . ومن أقوى قصائد الرثاء لدى البحتري رثاؤه في محمد بن يوسف بن عبد الرحمن المعروف بأبي سعيد الثغري القائد العسكري الذي أبدى بطولة كبرى في حرب بابك الخرمي وذي المكانة المرموقة لدى المعتصم . وكذلك رثاؤه في ولده يوسف الذي خلفه في ولاية أرمينية وأذربيجان وقد اكتسبا لقبهما الثغريين لارتباطهما الوثيق بالثغور الإسلامية ولبلائهما الحسن في الدفاع عنها ضد غزوات الروم . والثغريان ينتهي نسبهما بنبهان بن عمرو وهو أخو سلامان جد البحتري ومعنى ذلك انهما ينتميان كما ينتمي البحتري إلى طيئ . وكان البحتري كثيرا ما يذكر هذه القرابة وانه انما يمدح نفسه عندما يمدحهما ويعجب منهما كيف يعطيانه على مديحه : واني متى أعدد معاليك اعتدد بها شرفا إذ كل فخرك لي فخر ولم أر مثلي ظل يمدح نفسه ويأخذ اجرا ان ذا عجب بهر وكان لما اشتهر به الوالد والابن من بطولة عسكرية بالإضافة إلى صلة القرابة تلك اثر عميق في الرثاء الذي رثاهما به فجاء نضاحا بكل الصدق معبرا عن مشاعر الإحساس بالفقد والحزن الكثيف . ومن أبرز قصائده فيهما قصيدته في رثاء محمد بن يوسف الثغري والتي مطلعها : انظر إلى العلياء كيف تضام وماتم الأحساب كيف تقام ورثى ولده يوسف بن محمد عندما قتله الثائرون من أهل أرمينية بقصيدة مطلعها : أقول لعنس كالصلاة أمون مغبرة في تسعة ووضين حيث ينهي البحتري رثاءه الدامع بأبيات تثير في النفس عواطف الحزن وتدل أوضح دلالة على مدى صدقه ولوعته : أأنساك أم أنسى مصابك بعد ما علقت بحبل من نداك كتين ولو كنت ذا علم بفرط صبابتي وما علم ثاو بالتراب دفين تيقنت ان العين جد غزيرة عليك وان القلب جد حزين إذ انا لم أشكرك نعماك بالبكا فلست على نعمى امرئ بأمين وفي الحق اننا لنبهر بقوة رثاء البحتري خاصة ما رثى به المتوكل والثغريين وقد لمسنا في رثائه للثغريين شعرا يتوافر فيه الصياغة وتدفق المشاعر وتالق المعاني جميعا . ونحن نعلم أن الرثاء قد ينصرف إلى تجسيم حزن الشاعر وتصوير مصابه بفقد من يرثيه ويكون هذا الرثاء للبكاء لا لتخليد المرثي ومن هذا النمط كان رثاء البحتري للمتوكل ، فهول الكارثة قد أذهله إلا عن مشاعره الجريحة الحزينة فإذا ما اهتم الشاعر بمناقب من يرثيه وعني بتصوير جليل أعماله وعظيم صفاته كان الرثاء للتخليد والملاحظ ان رثاءه للثغريين قد جمع بين النمطين مما دفع البعض إلى اعتبار رثائه لهما من عيون المراثي في الشعر العربي . ولقد ربط البحتري بال حميد عرى وثيقة من الصداقة والود وذكريات السعادة وجل أفراد تلك الأسرة من القادة المشاهير الذين دفعوا حياتهم ثمنا للمجد وسقطوا في ساحات القتال في الأطراف الشاسعة للدولة . فوقف أبو عبادة أمام قصرهم ببغداد وقد خلا من شخوصهم فرثاهم رثاء الدامع الموجع الذي اعتورته مصائب فادحة في قصيدة مطلعها : أقصر جميل الأعزاء لمغرم ولا قصر عن دمع وان كان من دم وبعد أن يعدد ماثرهم ويبكيهم يقرأ السلام على أرواحهم مؤكدا انه لا يقلل من شأنهم أو يرفع من أعدائهم أنهم صرعوا فحمزة وعلي قد صرعا من قبل وحشي وعبد الرحمن بن ملجم : فحربة « وحشي » سقت « حمزة » الردى وحتف علي « في حسام ابن ملجم » . وفي الرثاء الذي أنشأه البحتري في سن الشيخوخة نجده يمزج رثاءه الموتى برثاء نفسه والبكاء من المشيب والوهن ويتحسر تحسرا موجعا لضياع الفتوة والشباب كما في رثائه لغلامه قيصر في القصيدة التي مطلعها : ملامك انه عهد قريب ورزء ما عفت منه الندوب حيث نراه يبكي نفسه فيقول : فان ست وستون استقلت فلا كرت بطلعتها الخطوب لقد سر الأعادي في اني « برأس العين » محزون كئيب واني اليوم عن وطني شريد بلا جرم ومن مالي حريب