حسن الأمين
301
مستدركات أعيان الشيعة
ولم يفرد الفرزدق قصائد خالصة للوصف بل كان وصفه مندرجا في تضاعيف قصائده شانه شان كبار المصورين من أمثال النابغة الذبياني في الجاهلية وذي الرمة في الإسلام الذين درجوا على أن يكون الوصف جزءا في بنيان القصيدة يسلم إلى غاية ويؤدي غرضا من أغراض الشاعر في قصيدته متبعين تقاليد الفن التي رسخت قواعدها وتحدد بها بنيان القصيدة واجزاؤها ووحدتها . وصف الشاعر ناقته التي تحمله إلى ديار حبيبته وكثرت صور الإبل والخيل والصحراء وما يتصل بها من صور واجهته في رحلاته التي تحمل مشاقها وواكبتها صور أخرى تصف البحر والفرات والجيوش بفرسانها والحرب والأسد والحية . وقد اشتهر الفرزدق بقصيدة قالها في وصف الذئب وفيها تصوير جميل معجب يمثل سنة الحياة في الصحراء حيث لا تراحم ولا هدنة وإنما هي المغالبة والتزاحم ليفوز الأقوى . وتغدق الصحراء الشحيحة على الفرزدق صورا غاية في الروعة والألق لعل من أجملها ما صور به القطا يسعى وراء الماء في الحر اللاهب يريد ان يروي ظماه وظما فراخه التي تتقلب على أحر من الجمر وقد كاد الظما يقتلها . وإذا أنت أمام هذه الصورة الرحيمة تمثل لك القطا تمج ما في حواصلها لتسقي الفراخ العطشى : ويدعو القطا فيها القطا فيجيبه توائم أطفال من السبب المحل دوارج اخلفن الشكير كأنما جرى في ماقيها مراود من كحل يسقين بالموماة زغبا نواهضا بقايا نطاف في حواصلها تغلي تمج اداوى في اداوى بها استقت كما استفرغ الساقي من السجل بالسجل واستغل الفرزدق فن الوصف للتحديث بجوده وسخائه وانه يعطي المعتفين ويقري الضيفان ويجبر خلة الأرامل . ويبدو نمطا فريدا في شعر الفرزدق وصفه الدرة والغواص فقد استفتح الفرزدق نقيضته ذات الأكارع في هجاء بني جعفر بن كلاب متغزلا بجبيرة النهشلية وذكر محاسنها وأسلمه الحديث إلى تشبيهها بالدرة ففتح له باب القول يصف الدرة وما لقي غواصها في سبيلها . فقد رمى بنفسه في لجة بحر مهيبة تهول من رآها آملا في الفوز بها . وكان قلبه يضطرب خوفا من أن تناله الحية الخرساء الموكلة بحفظ الدر كما نالت من قبله . وقد عجز المنذرون ان يصدوه . كان مصمما أن يدرك الغنى أو يلاقي الموت ولما رأى الدرة اليتيمة زاد تصميمه وأيقن انه الموت أو دنيا ينادي بشيرها . وأهوى لينتزع الدرة التي يحميها نابا الأفعى فلم ينج من عضة سمها زعاف وسريع سورته لا يجدي فيه ترياق فقضى بين يدي اساته ولما أخبرت أمه بموته ورأت الدرة التي ظفر بها هان وجدها لما أملت من الغنى : كدرة غواص رمى في مهيبه باجرامه والنفس يخشى ضميرها موكلة بالدر خرساء قد بكى اليه من الغواص منها نذيرها فقال الآتي الموت أو أدرك الغنى لنفسي والآجال جاء دجورها ولما رأى ما دونها خاطرت به على الموت نفس لا ينام فقيرها فأهوى وناباها حوالي يتيمة هي الموت أو دنيا ينادي بشيرها فألقت بكفيه المنية إذ دنا بعضة أنياب سريع سؤورها . . . فلما أروها أمه هان وجدها رجاة الغنى لما أضاء منيرها وانه لوصف تخلله القص والحكاية وهو فن من فنون الفرزدق التي تفوق فيها وأحسن اصطناعها في الوصف والغزل والهجاء فكان فيها عنصرا هاما هيا للشاعر ان يتفوق ويفتن فيما عرض له . ويجيد الفرزدق وصف البادية بما فيها ولقد اشتهر عنده وصف البرد والريح والثلج . المدح اتخذ الفرزدق المدح وسيلة إلى التكسب من هنا خرج مديحه عن الإخلاص . مدح الأمويين لكثرة المال لديهم . غالى في مدح بني أمية على قدر ما كان ينتظر من نوالهم حتى قال ما خالف مذهبه . فأثبتت حقهم في الخلافة وبذل ماء وجهه في سبيل عطاياهم . دافعه الأساسي للمديح مصلحته المادية أو مصلحة قبيلته . وإلى هذا مرد ذاك الاضطراب البادي في مدائح الفرزدق بين الأمويين وأبناء الزبير ، بل بين من تتابع من الولاة على البصرة والكوفة كأبناء المهلب والحجاج وخالد القسري وغيرهم . ولم يجد غضاضة في أن يمدح ثم يهجو كما فعل في شان الحجاج ولا في أن يهجو ثم يمدح كما فعل في شان هشام بن عبد الملك . وإذا كان ديوان الأخطل يدلنا على المناحي العامة في سياسة الأمويين الداخلية فان في ديوان الفرزدق دلائل وافرة على تأثير هذه السياسة في ميول الحكام وسكان المدن فوق ما فيه من إشارات إلى بعض الأخلاق الإدارية والاجتماعية كانتشار الرشوة بين الحكام وعادة بعض الولاة في اختلاس أموال الدولة وعنف غيرهم في جباية الضرائب . يذكر ذلك شاكيا متوجعا محتجا أحيانا باسم قومه وأبناء عشيرته أو بلدته مطالبا بالإصلاح والتعويض . وللفرزدق في آل البيت ع مدحة واحدة قالها في الإمام زين العابدين علي بن الحسين ع وهي قصيدة متينة جميلة تفيض رقة وإخلاصا وصدقا . ولها قصة مؤثرة أجمعت المصادر القديمة على روايتها وهي القصيدة التي مطلعها : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم وهي من أشهر قصائد الفرزدق على الإطلاق . وكان من سيئات مديح الفرزدق عند الممدوحين وبعض النقاد انه كان يدخل الفخر بآبائه في قصائد المديح : وبمثل هذا غضب سليمان بن عبد الملك على الفرزدق . وذلك أنه استنشده لينشده فيه أو في أبيه ( عبد الملك ) فأنشد مفتخرا عليه . الرثاء الرثاء قليل في ديوان الفرزدق . لأن طبيعة الفرزدق مادية بعيدة عن العاطفة التي تخلقها المعاشرة والمساكنة .