حسن الأمين
295
مستدركات أعيان الشيعة
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم فغضب هشام وأمر بالفرزدق فحبس بين المدينة ومكة فقال يهجوه : أتحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوى منيبها يقلب رأسا لم يكن رأس سعيد وعينا له حولاء باد عيوبها ثم أشفق عليه هشام فاطلقه . فمدحه بقصيدة طويلة على الروي نفسه . وملفت للنظر ان هذا الشاعر الذي أمضى عمره يتعرض للأمراء والولاة والعمال يمدحهم راغبا ويهجوهم مهددا حتى يشتروا منه اعراضهم أحياء وأمواتا وهو ان لم يوفق إلى الكثير رضي بالقليل فقنع بنحي من سمن مثلا أو بشربة سويق إذا كان عطشان . ملفت للنظر ان يرد للإمام زين العابدين ع عشرة آلاف درهم أرسلها إليه اثر موقفه وقصيدته قائلا : ما قلت ما كان إلا لله وما كنت لأرزأه عليه شيئا ( تاريخ الأدب العربي ) فيجيبه الإمام زين العابدين بعد أن يردها اليه : قد رأى الله مكانك فشكرك ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا ما نرجع فيه فأقسم عليه فقبلها ( أعيان الشيعة ) . بل يرى عمر فروخ ان تشيع الفرزدق كان من أبرز أسباب ملاحقته من قبل ولاة بني أمية حيث يلاحظ أن صلة الفرزدق بالولاة الأمويين كانت سيئة جدا لأسباب مختلفة ظاهرها ان الفرزدق كان فاسقا ولذلك كانوا ينفونه عن حواضرهم . أما الحق فهو أن الفرزدق كان قيسيا وعلويا . ولقد كان الولاة يضطهدونه إذا كانوا هم يمنيين أو إذا كانوا أمويين متشددين . ( 1 ) والثابت انه لم يدع مناسبة إلا وعبر فيها عن تعلقه بال البيت . يذكر أبو الفرج لقاءه الإمام الحسين ( ع ) عندما كان متوجها إلى الكوفة فبادره الامام بالسؤال ما وراءك : قال يا ابن رسول الله أنفس الناس معك وأيديهم عليك أو قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية . ولقد عبر الفرزدق بذلك عن شعوره أيضا ! ويتوهم بروكلمان خطا أن هذا قد حدث بين الفرزدق والإمام الحسن ع . ومهما يكن من أمر فان الفرزدق لم يتردد أن يكون « شاعر بلاط » ينتمي إلى قبيلة شانه في ذلك شان كبار شعراء عصره . وكانت تميم البصرة زبيرية الهوى تقاتل عن ابن الزبير وتدعو له . وكان الفرزدق لسان قبيلته يميل انى مالت فدافع عن مواقف قومه كلها فلا عجب ان نجد في شعره مدحا لابن الزبير وتأكيدا لحقه . ولكنه لم يتردد بعد أن تلقى تهديدا من الحكم بن أيوب الثقفي صهر الحجاج وابن عمه وعامله على البصرة من أن يمدح هذا العامل وعبد الملك وأن ينعت ابن الزبير بأنه « كذاب مكة » : فالأرض لله ولاها خليفته وصاحب الله فيها غير مغلوب بعد الفساد الذي قد كان قام به كذاب مكة من مكر وتخريب وأول صدام للفرزدق في الدولة الأموية كان مع معاوية . جاء إلى معاوية شخص من بني مجاشع اسمه الحباب وكان قريبا للفرزدق . وأكرم معاوية الحباب وأعطاه أربعين ألف درهم . ولكن الحباب ما كاد ينفصل عن دمشق حتى مات فجاة . وعرف معاوية بموت الحباب في الوقت المناسب فأمر أن ترد عطيته إلى بيت المال وعرف الفرزدق بذلك فجاء إلى دمشق وتعرض لمعاوية بقصيدة منها : أبوك وعمي يا معاوي أورثا تراثا فأولى بالتراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أكلته وميراث حرب جامد لك ذائبه فلو كان هذا الحكم في جاهلية عرفت من المولى القليل حلائبه ولو كان هذا الأمر في غير ملككم لأديته أو غص بالماء شاربه ولو كان إذ كنا وفي الكف بسطة لصمم عضب فيك ماض مضاربه وكم من أب لي يا معاوي لم يكن أبوك الذي من عبد شمس يقاربه وهذه الحادثة كانت سببا في ملاحقة زياد بن أبيه للشاعر . كما يلاحظ انه لا يتردد في رفع الشكوى إلى الوليد وسليمان ويزيد من معاملة بعض عمالهم . هجا خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي والي عبد الملك على البصرة ومدح بشر بن مروان والي الكوفة الذي قربه ونادمه وأراد أن يوفق بينه وبين جرير ولكن لم يستطع . وبعد بشر بن مروان جاء الحجاج بن يوسف الثقفي العراق واليا . وهاب الفرزدق الحجاج هيبة شديدة امتلأت نفسه لها خوفا فأسرع اليه يمدحه ويشيد به وكثرت مدائحه له وقد أدرك الحجاج تفوق الفرزدق في أماديحه فقال : ما أشعر الفرزدق في قوله لي : لا يألف البخل ان النفس باسلة والرأي مجتمع والجود منتشر واتصل الفرزدق بولاة الحجاج على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي والجراح بن عبد الله الحكمي . ولما ولي عمر بن عبد العزيز المدينة قصد اليه الفرزدق فيمن قصده من الشعراء ومدحه وهو في المدينة ومدحه وهو في مكة . كما تحدث الرواة بما كان يلقى الفرزدق عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في المدينة من البر والإكرام ، بل كانت تأتيه صلات سكينة بنت الحسين ع وربما كان في هذا ما يدعم الرأي بحقيقة مشاعر الفرزدق الصادقة تجاه آل البيت وينهض دليلا إضافيا على تشيعه . لكن إقامة الشاعر في المدينة أيام ولاية عمر بن عبد العزيز لم تطل إذ نفاه منها لئلا ينشد في مسجدها هجاءه المقذع واستغل خصمه جرير الفرصة فقال : نفاك الأغر ابن عبد العزيز بحقك تنفى عن المسجد ويبدو ان الفرزدق بقي بعيدا عن ملوك بني أمية فلما استتب الأمر لعبد الملك بن مروان عرض لمديحه والإشادة به في مدائح الحجاج بن يوسف والحكم بن أيوب وهجاء ابن الأشقف . ولما تولى الوليد بن عبد الملك ( 86 - 96 ه ) كثرت مدائح الفرزدق إياه وعرف لديه شيئا من
--> ( 1 ) يقول حسن الأمين : من أقوى دلائل تشيع الفرزدق قوله لما سمع أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول : كيف لا اتبختر وأنا ابن أحد الحكمين ، فقال الفرزدق : أحدهما مائق والآخر فاسق ، فكن ابن أيهما شئت .