حسن الأمين

288

مستدركات أعيان الشيعة

حليفه ظاهر على دمشق نهائيا في ابريل 1771 . المحالفة مع روسيا : بيد أن علي بك الذي ظل في مصر ، كان في أثناء كافة هذه الحوادث يعمل لتأييد مجهوداته العسكرية بالوسائل الدبلوماسية عن طريق الاتفاق والتفاهم مع أعداء الدولة العثمانية . فهو منذ 1770 قد أرسل ( روستي ) التاجر البندقي إلى جمهورية البندقية حتى يعرض محالفة علي بك مع الجمهورية ويدعوها إلى الاستيلاء على الجزر والبلدان التي كانت للجمهورية سابقا في حوض البحر الأبيض ، ويعدها بالمساعدة بكل ما يملك من القوات في مصر كما تعهد بتدعيم تجارتها القديمة في بلاده . وكذلك كتب علي بك إلى الأميرال الروسي الكونت أرلوف في ليفورته يعرض عليه عقد محالفة مع قيصرة روسيا على أساس أن يمده علي بك بالأموال والمؤن والجند في النضال ضد تركيا ، في نظير أن يرسل إليه الروس المهندسين لاستخدامهم في أعمال الحصار ، كما كان علي بك في حاجة شديدة إلى الضباط الروس لتنظيم جيشه وتدريب جنده على فنون الحرب الأوربية . وقد أسفرت هذه المساعي الدبلوماسية عن فشل ونجاح في وقت واحد ، فاما الفشل فهو لأن البندقية لم تشا العمل بالمشروع الذي عرضه عليها ( سلطان مصر ) ، وأما النجاح - وكان نسبيا فهو لأن الكونت أرلوف أسرع بالرد على مكاتبات البك وشكره وشجعه على المضي في خطته . وبذل له الوعود الضخمة العظيمة كما تعهد بإرسال مكاتباته إلى قيصرة روسيا . سقوط دمشق والحق أن موقف والي الشام كان في غاية الخطورة ، بسبب حرج مركز الأتراك الذين استغرقت الحروب الروسية كافة نشاطهم في الشمال ، فلم يتمكنوا من إرسال النجدات إلى الميادين الشامية ، فكان من واجب عثمان باشا الاعتماد كلية على موارده في الدفاع عن ولايته . ولكن علي بك الذي شاهد مملوكه يحيط به الرجال والأعوان من كل جانب ، لم يلبث أن فضل السكوت خشية من الاصطدام معه ، وطفق من ثم يدبر في الخفاء وسيلة للتخلص منه ، ومع ذلك فقد أخفقت هذه المساعي واستطاع أبو الذهب الخروج من القاهرة إلى الصعيد ، وهناك جمع جيشا انضم إليه كثيرون من المماليك المستائين من كبرياء علي بك وسطوته ونزل بهذا الجمع إلى القاهرة ، بالقرب من الجيزة . وأما علي بك فقد أرسل جيشا لمقابلته بقيادة إسماعيل بك ، غير أن إسماعيل انضم إلى أبي الذهب ، وعندئذ لم يجد علي بك مناصا من الانسحاب والالتجاء إلى حليفه القديم في عكا . نهاية علي بك فقد علي بك بسبب خيانة أبي الذهب ثمار المجهودات التي بذلها لفتح سوريا . ومع ذلك فإنه لم يفقد الأمل في استعادة هذه الفتوحات ، فاستمر يرسل النجدات إلى الشيخ ظاهر ، وعند ما خرج من القاهرة مع ثمانمائة من مماليكه ، سار توا إلى غزة . بيد أن أهل نابلس ويافا لم يلبثوا أن أغلقوا الطريق دونه ، حتى حضر الشيخ ظاهر فأحضره إلى عكا . وقد اشترك جند علي بك بعد ذلك في تخليص صيدا التي كان يحاصرها الأتراك ، فانسحب العثمانيون ، ثم انهزموا في معركة حاسمة ( يولية 1772 ) ، ثم سلمت صيدا ، وانكب الحليفان بعد ذلك على معاقبة أهل يافا فضربوا حولها الحصار حتى سلمت ( فبراير 1773 ) ثم فتحت الرملة . وكان علي بك عندما قرر الخروج من مصر إلى عكا قد أرسل إلى الكونت أرلوف يرجوه إرسال الذخائر وبعض الضباط لانتظاره في الشام ، وقد حمل مكاتبات علي بك إلى الأميرال الروسي ، الأرمني يعقوب ، وبالفعل ظهر جزء من الأسطول أمام عكا . فأرسل علي بك إلى أرلوف ثانية يطلب مدافع وبعض المهندسين مع جيش من الألبانيين يبلغ الثلاثة آلاف ، حتى إذا استطاع العودة إلى مصر واستقر به المقام في القاهرة ، أصبحت كافة قواته تحت تصرف الأميرال الروسي . وزيادة على ذلك فقد بعث علي بك أيضا بخطاب إلى القيصرة كاترين يرجو منها المساعدة ويعرض عليها عقد معاهدة تجارية مع مصر ، وقد أقلعت السفن الروسية من عكا في مايو 1772 ومعها ذو الفقار بك « سفير » علي بك . وقد عاد هذا السفير مع الأرمني يعقوب من مهمتهما ، وأرسل الكونت أرلوف خطابات الصداقة إلى علي بك مع ضابطين روسيين وثلاثة مدافع فقط ، استخدمت في أثناء حصار يافا ، كما اشتركت بعض السفن الروسية في ضرب يافا أيضا ، ولكنها لم تلبث أن انسحبت قبل تسليم يافا . وكانت هذه كل المساعدة التي قدمتها له روسيا . بيد أن انتصارات علي بك لم تلبث أن أنعشت آمال أعوانه في مصر ، وكانت له صلات مع رؤساء انكشارية وغيرهم من البكوات الذين ساءهم سلوك أبي الذهب وطمعه وجشعه ، فكتب له رؤساء الانكشارية وهم أصحاب السلطة الواسعة في القاهرة ، يطلبون عودته ، ثم تأثر علي بك بأقوال المعلم رزق الذي أكد له أن النجوم كلها تنبئ بانتصاره الحاسم وانهزام غريمه بمجرد عودته ، وكان علي بك من كبار المعتقدين بصدق المنجمين فقرر العودة إلى مصر ، ولم يستمع لنصيحة الشيخ ظاهر الذي كان من رأيه الانتظار حتى تحضر النجدات الروسية من جهة ، وحتى يمهد الطريق لعودته ببذر بذور الشقاق والانقسام بين البكوات المماليك من جهة أخرى ، والتأكد قبل رحيله من ولاء الجند له والاطمئنان على شخصه من الغدر والخيانة . وعلى ذلك ، جمع علي بك جنده من المدن التي كانوا في احتلالها ، فوصل بهم إلى غزة في طريقه إلى مصر في مارس 1773 ، ثم استأنف السير في الشهر التالي ، وكانت تبلغ قوته حوالي الخمسة آلاف مقاتل ويصحبه من أسرة ظاهر ابنه ، وزوج ابنته . وأما أبو الذهب فقد أرسل جيشا يبلغ الاثني عشر ألفا ، فتقابل الجيشان بالقرب من الصالحية وانتصر جماعة علي بك في مبدأ الأمر وانفتح الطريق إلى القاهرة ولكن أبي الذهب لم يلبث أن أثار حماس أتباعه من جديد ، واتهم علي بك « بالكفر والإلحاد العميق المستقر في قلبه » كما رماه بالتحالف مع « الكفار » لاخضاع هذه البلاد حتى « يقضي على دين الرسول ويرغم أهلها على اعتناق المسيحية » ( 1 ) . وفي المعركة التالية حمي وطيس القتال ، وسقط من أنصار علي بك ، كل من طنطاوي ، وابن الشيخ ظاهر ، وعبثا حاول الشيخ كريم ( زوج ابنة الشيخ ) إقناع علي بك بالخلاص بنفسه والذهاب معه إلى عكا ، فقد رفض علي بك الانسحاب وظل يقاتل حتى أصيب بجرح في رأسه وسقط عن جواده ( 2 ) ، فأسر وحمل إلى مخيم أبي الذهب الذي « خرج إليه وتلقاه وقبل يده وحمله من تحت إبطه حتى أجلسه بصيوانه » وقد بكى أبو الذهب من تأثره . ولكن علي بك الذي نقل إلى القاهرة لم يلبث أن مات بعد أيام ( 15 صفر 1187 - 8 مايو 1773 ) متأثرا بجراحه كما يقول البعض ، أو مسموما على يد أبي الذهب كما يقول آخرون وبوفاته أسدل الستار على أكبر محاولة عرفتها البلاد للتخلص من سيادة العثمانيين قبل عهد محمد علي . فلو أن علي بك استمع لنصيحة الشيخ ظاهر فانتظر النجدات الروسية - وقد وصلت هذه في ابريل -

--> ( 1 ) 9 - 248 . Savary . t . II Lettre XVI . PP ( 2 ) 153 - 145 . Lusignan . PP