حسن الأمين

275

مستدركات أعيان الشيعة

وما هذه الإشارات إلا دليلا على مدى الاستقرار والطمأنينة التي كان يتمتع بها العامليون . ويبدو استقرار العامليين وقوتهم واستقلالهم النسبي من طبيعة علاقات ناصيف الخاصة مع آل الحرفوش ( شيعة بعلبك ) إذ ان أحد أمرائهم محمد الحرفوش حضر إلى جبل عامل في أول رمضان 1193 / 1779 وسكن لدى آل الصغير في بلدة شحور العاملية . ثم تطورت هذه العلاقات لتزداد عمقا وتصل إلى حد التحالف . وقد عبر الركيني عن ذلك بقوله : في محرم 1195 / 1780 صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والأمير محمد الحرفوش في الطيبة . وركبت خيل الشيخ ناصيف مع الأمير محمد الحرفوش إلى بلاد بعلبك . ( 1 ) وكان ناصيف ككل قائد مجرب يعلم أن الهجوم خير وسيلة للدفاع . وكانت امارة جبل عامل ككل الإمارات في تلك الأيام تعاني من مشكلة غزوات البدو . فلم يهمل الشيخ ناصيف هذا الموضوع . وعرفت تلك الفترة إغارات قام بها العامليون على بعض المناطق المجاورة بقصد الهجوم الدفاعي حينا أو بقصد تقديم المساعدة لقبيلة على أخرى : ففي ذي القعدة 1191 / 1777 هاجم حيدر فارس مرجعيون وغنم منها عددا من الأبقار وأسر خمسة عشر رجلا . وفي 1193 / 1779 ربيع الثاني نهب ناصيف مواشي من الزركشية والتركمان وفي جمادى الأولى 1194 / 1780 غزا حيدر الفارس عرب العزية وقتل منهم رجلا . وفي 29 رمضان 1195 / 1780 غزا ناصيف قريتين في الحولة ونهب طرشها . ( 2 ) وأخيرا في 1193 / 1779 حصل خصام بين قبائل عربان عنزة وقبيلة بني حسن ( المرؤسة بال المزيد ) فحضر آل عنزة إلى تبنين واستنجدوا بناصيف . فأرسل ناصيف أخاه أبا حمد بجيش من العامليين وسار قاصدا قبيلة آل مزيد في الجولان حتى وافى الجيدور من أعمال حوران قرب قرية الحارة حيث التقى بالعربان واشتبك معهم وانجلت المعركة عن مقتله ومقتل قاسم المراد ومائة فارس من قوات العامليين ودفن أبو حمد في مكان يعرف بنهر الرقاد . ( 3 ) عندما وصل الخبر إلى ناصيف زحف للثار من آل مزيد فهربوا تاركين أولادهم ونساءهم في مضاربهم فما كان من ناصيف إلا أن « حملته الشهامة وحركه الناموس لأن أمر قومه بالاعتزال عن تحلل تلك الربوع . . . ونزل في بيت كبيرهم ( فاضل المهنا ) ودعا بأكبر أولاده وكان دون العشر سنوات فألبسه فروا ثمنيا ثم دعي بأولاد الشيوخ ذوي الوجاهة من أولئك القوم وألبس كلا منهم ما لاق به فضجت عموم النساء والأطفال بالدعاء . . فكانت تلك ماثرة تناقلها الركبان جيلا بعد جيل من العربان » . ( 4 ) وكان الشيخ ناصيف كان يدرك أن السياسة تستطيع تحقيق ما قد يعجز السلاح عن تحقيقه . مع ذلك ، وإذا كان القول إن بعض الناس يدفعون ثمن ضعفهم صحيحا . فالصحيح [ ايضان ] أيضا ان بعضهم الآخر يدفع غاليا ثمن قوته . وهذا ما سيحدث لناصيف النصار الذي وان شارك في هذه الثورات إلا أنه لم يبادر إليها . لهذه الأسباب جميعا بدأت علاقة الشيخ ناصيف بالجزار بداية طيبة في أول الأمر فقد كان الجزار « ينزل برجاله في جبل عامل ( صور ورأس العين ) للراحة والتزود بالمؤن ففي 1190 / 1776 ليلة العشرين من صفر جاء الجزار إلى صور ونام عند حاكمها حمد العباس . كما نزل في السنة نفسها في 21 جمادى الثانية في رأس العين ونام فيها ليلة ومرة أخرى جاءها في 7 شوال 1194 / 1779 وقضى فيها ليلة . وكان الشيخ ناصيف يتباحث مع الجزار عند مروره أحيانا في صور ففي سنة 1190 في عشرين ربيع الأول سار ناصيف ببعض رجاله ومرافقيه إلى صور حيث قابل الجزار » . ( 5 ) ولكن هذا الأمر لم يدم طويلا إذ ما أن تمكن الجزار من القضاء على ظاهر العمر حتى شعر الشيخ ناصيف بقوة الجزار المتزايدة ورأى من الحكمة أن يتقدم من طور المودة إلى مرحلة التحالف عله يحول بين جبل عامل وبين شرب الكأس المرة لذلك فإنه ساهم بالفعل في محاربة على ظاهر إلى جانب الجزار . ( 6 ) ولكنه عندما رأى أن الجزار يحاول تأديب الأمير يوسف ازدادت شكوكه حول نوايا الجزار التوسعية لذلك أخذ يعد العدة لمحاربة الجزار أن هو حاول الاعتداء على العامليين . ويروي أحد المؤرخين العامليين نادرة تبين لنا شكوك الشيخ ناصيف حول نوايا الجزار : فقد حدث ان ذهب الشيخ ناصيف مع عدد من مرافقيه لزيارة الجزار . فقال الشيخ ناصيف لهؤلاء : إذا سمعتم الجزار يوقل لي أنت كشعرة من شاربي فثقوا به واركنوا اليه وإن قال أنت كشعرة من لحيتي فيكون قصده الغدر . ( 7 ) وفي الاجتماع قال الجزار الجملة الثانية من وصية ناصيف . عندها انتهز الوفد فرصة انشغال الجزار لمدة وجيزة وركبوا وعادوا إلى بلادهم طالبين النجاة . وبدأت العلاقات بالتوتر . وزاد من هذا التوتر ان الجزار طلب من مشايخ العامليين موافاته إلى عكا فرفضوا ذلك قائلين : « انهم يخافون أن يعاملهم كما عامل أبناء ظاهر العمر ( غدر بهم بعد أن آمنهم ) وما شذ عنهم إلا الشيخ قبلان الذي كان يتطوع للتوسط بين المختلفين فقدم عكا ودبر المسائل بالنيابة عن الآخرين » . ( 8 ) عملت ظروف عدة على تأجيل المواجهة المحتمة بين الزعيمين بسبب عوامل خارجة عن إرادة الجزار من جهة وبسبب محاولة الشيخ ناصيف تحاشيها من جهة ثانية وذلك بمناصرة الجزار في كل قضية لا تمس من وحدة العامليين ولا تهدد استقلالهم . فقد كان محمد باشا العظيم يسيطر على وادي التيم ويتحكم بسياسة الأمير إسماعيل الشهابي وكان الجزار يتطلع إلى الأمير يوسف في الشوف ويتحكم بسياسته . لذلك كان الصدام يحتدم بين هذين الواليين على توسيع مناطق سيطرتهما . وقد وقف ناصيف مع الجزار وخاض إلى جانبه عدة معارك ضد ابن العظم . وبالفعل فقد ذهب الشيخ ناصيف بجمع من رجاله إلى عكا ليزحف مع الجزار لقتال محمد باشا العظم « . ( 9 )

--> ( 1 ) ن . م . ( 2 ) ن . م . ( 3 ) ن . م ( 4 ) العقد المنضد ويروى ان ناصيفا بكى في هذه اللحظة لان مروءته منعته من الاقتصاص من النساء والأطفال ، وبالتالي حالت بينه وبين الثار لأخيه . ( 5 ) العرفان . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) مخطوطة الظاهر . ( 8 ) تاريخ الجزار . ( 9 ) العرفان .