حسن الأمين
271
مستدركات أعيان الشيعة
المتأولة وظاهر العمر . وهنا يختلط التاريخ بالأسطورة والوقائع العسكرية بالعقائد الإيمانية . فقد أجمعت المصادر على الإشادة ببطولة العامليين في المواجهة التي حصلت مع جيش السلطنة . وبالفعل « فقد عسكر الشيخ ناصيف بجنوده في جوار النبي يوشع الواقع في الشرق الجنوبي من جبل عامل . وعقد مشايخ الشيعة ديوان مشورة ورتبوا خطة بالهجوم . وتضرعوا إلى الله ان ينصرهم على العدو الباغي . وكان مقام النبي يوشع بناية حقيرة فقطع الشيخ ناصيف عهدا على نفسه ان يبني المقام بناء فخما إذا ظفر بالعدو . ثم كنس المقام بعمامته تواضعا وتبركا . ولما أحرز النصر بناه كما وعد ورفع فوق الضريح قبة شامخة وفي هذا يقول الشيخ إبراهيم يحيى العاملي في قصيدة أوردها صاحب أعيان الشيعة : مقام شريف أطلع اليوم شمسه خليفة نصار المؤيد بالنصر فلذ بحماه طالبا للذي بنى من الله طول العمر مع وافر الأجر وقل عند إهداء السلام مؤرخا عليك سلام الله يا ثاوي القبر وانتدب ناصيف النصار فرقة من أبسل جنوده وأوفرها شجاعة لا تزيد عن خمسمائة فارس فبيتت للعدو وزحفت اليه ليلا فأحاطت به من جهات ثلاث وأعملت فيه السيف ولم ينج من القتل إلا من القى نفسه في البحيرة ولم يقتل من المهاجمين جندي واحد . وفر الوالي عثمان باشا منهزما لا يلوي على شيء . ( 1 ) وينقل محمد جابر آل صفا عن أستاذه السيد محمد علي إبراهيم الحسيني نادرة لطيفة حدثت خلال هذه المعركة « تدل على ما لسلامة الاعتقاد من التأثير » وهي انه لما بدأ ناصيف بالزحف برجاله ليلا بعد الصلاة والدعاء شاهدوا ظبيا يقفز امامهم بين تلك الروابي وخلفه رجل معمم ينشد أبياتا أولها : أيحل لساكنة العلم تفتي في الحب بسفك دمي وسرى الخبر بين المهاجمين ونشطهم رؤساؤهم ان الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءهم ببركة النبي يوشع وأن روحه الشريفة تجسدت هذا الغزال اللطيف وأن الفوز بجانبهم وكان ما أملوا . كما ينقل المؤرخ نفسه عن الأمير حيدر الشهابي انه كتب في تاريخه : ان إبطال المتأولة بعد تلك الكسرة الهائلة شاهدوا درويش باشا والي صيدا وهو ابن عثمان باشا والي الشام فخاف على نفسه وكان جبانا ففر منها . ( 2 ) وفي معركة البحيرة نظم شعراء جبل عامل قصائد وزجليات نكتفي بذكر أبيات من قصيدة للشيخ إبراهيم الحاريصي : أكرم بالخيل إذا وفدت إذ ذاك بناصيف البطل بحر يحبوك بلجته والبحر ضنين بالوشل سل يوم البحرة ما فعلت كفاه بفرسان الدول . . وقد أجمع المؤرخون العامليون على اعتبار هذه المعركة معركة عاملية خالصة . واستند هؤلاء في ذلك إلى مؤشرات عدة أبرزها ان عثمان باشا كان يقصد بحملته بلاد المتأولة لأنه عندما اجتاز بعساكره جسر بنات يعقوب جنوب الحولة لم ينحرف بهم نحو بلاد ظاهر العمر في صفد وطبريا بل انحرف بالعسكر إلى شمال الجسر حيث نزل بهم على حدود بلاد المتأولة بين بحيرة الحولة وبين الجبال العاملية المطلة على البحرة وما حولها من سهل الخيط وسهل الخالصة . ( 3 ) يضاف إلى هذا أن العامليين جميعا هم وحدهم الذين واجهوا جيش الوالي العثماني فقد اشترك في هذه المعركة الشيخ حمزة المحمد والشيخ حمد العباس والشيخ علي الفارس الصعبي تحت قيادة ناصيف النصار . ( 4 ) وقد ترتب على هذه المعركة نتائج مهمة . فقد كان انتصار العامليين البارز عاملا حاسما في ازدياد ثقتهم بأنفسهم وأصبحوا يتطلعون إلى أبعد من الدفاع عن أنفسهم بل أخذوا بالتوجه نحو صيدا لتحريرها من نير الوالي العثماني . وبالفعل فان درويش باشا والي صيدا هرب إلى الشام بعد هزيمة والده في الحولة . ( 5 ) أما النتيجة الثانية لهذه المعركة فهي اندلاع الصراع في مصر بين علي بك وأبي الذهب الذي ادعى انه تراجع عن دمشق بسبب تخاذل ظاهر وناصيف في القتال . فجاءت نتائج هذه المعركة لتفضح تأمر أبي الذهب وأرسل علي بك حملة للقضاء عليه . وأخيرا كان من أهم نتائج هذه المعركة فيما يخص جبل عامل زيادة خوف الدولة العثمانية من هذه الزعامات القادرة القوية فزادت من ضغولها على الأمير يوسف الشهابي لقتال العامليين . فكانت معركة كفر رمان بينه وبين العامليين بعد خمسين يوما من معركة الحولة . معركة كفر رمان تعامل بعض المؤرخين العامليين مع معركة كفر رمان وكأنها معركة مستقلة بذاتها غير مرتبطة بمعركة الحولة - البحرة التي سبقتها ولا بالنتائج التي أسفرت عنها تلك المعركة . وذهب بعض هؤلاء إلى أن سبب المعركة الحقيقي ان مكاريين من قرية كفر رمان مرا بعنب لهما بقرية نيحا الشوف فاعتدى عليهما بين الكروم بعض أهالي نيحا وسلبوهما وضربوهما ضربا أليما قضى على حياتهما . فشكا أهل القتيلين أمرهما إلى الشيخ علي بن أحمد الفارس عميد آل صعب وحاكم المقاطعة وكان مقيما في قلعة الشقيف . فكتب إلى الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان يومئذ يطلب منه إرسال المعتدين لمحاكمتهم وذكر له أسماءهم . فكتب اليه الشهابي بعدم إمكان القبض على الجناة وعرض عليه دية القتيلين توزع على أهالي نيحا . وأصر الصعبي على طلبه وكتب للأمير يوسف كتابا شديد اللهجة قائلا : ان الشيعة لم تعتد بيع دماء أبنائها بمال ونحن نعرف كيف نثار لبني قومنا . واقتحم بعض الشيعيين قرية نيحا فقتلوا أربعة من أهلها بين الكروم في المكان الذي ضرب فيه الرجلان الشيعيان .
--> ( 1 ) محمد جابر . ( 2 ) ن . م . ( 3 ) الزين . ( 4 ) العرفان . ( 5 ) لبنان في عهد الأمراء .