حسن الأمين
25
مستدركات أعيان الشيعة
ذلك أنه صوره في رسالته امرؤ شديد الطموح ، حتى كان والده نفسه يخاف مغبة طموحه ، وأن أبا القاسم قال له يوما : ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه . فقال له : وأي خمول هنا ؟ تأخذون من مولانا - يعني الخليفة الفاطمي - في كل سنة ألف دينار ، وأبوك من شيوخ الدولة ، وهو معظم مكرم . فقال : أريد أن يصار إلي ديوان الكتاب ، والمواكب والمقانب ، ولا أرضى بان يجرى علينا كالولدان والنسوان . ويلمح ابن القارح إلى أن الوزير أبا القاسم كان يسر حسوا في ارتغاء ، وأنه كان يريد الثورة على الدولة الفاطمية ، وأن أباه نفسه كان يتخوف هذه العاقبة ، ويقول : « ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه » . وقبض على لحيته . ويمضي ابن القارح فيعدد سيئات أبي القاسم ، ويصفه بأنه كان مجنونا ، ويقول : وكان أبو القاسم ملولا والملول ربما مل الملال . ولكنه كان يدري أو لا يدري محبة أبي العلاء لأبي القاسم ، بل لعله كان يستثيره ليعلن رأيه فيه . ولكن خاب فال ابن القارح ، إذ رد أبو العلاء على كل ما جاء في رسالته ، وعلى أشياء لم تجيء فيها ، فسخر منه سخرية عريضة في « رسالة الغفران » ، ووضعه في مواضع مضحكة ، وتهكم به وبفهمه لمعنى الذنوب ولمعنى المغفرة تهكما لا نظير له في الأدب العربي ، وكتب في ذلك رسالة تعد من روائع الأدب العالمي - لا الأدب العربي وحده - ولكنه سكت فيها عن كل إشارة لأبي القاسم لأنه كان قبل ست سنوات ( وهي المدة بين رثاء الوزير المغربي وكتابة رسالة الغفران ) قد قال : إن يخط الذنب اليسير حفيظاك فكم من فضيلة محايه كانت مشكلة الغفران لدى أبي العلاء هاجسا مثيرا قبل أن يكتب اليه ابن القارح رسالته ، حتى إنه في « رسالة المنيح » يقول : « أفبلدتنا جنان أم وضح لأهلها الغفران » ، فقد كانت تلك المشكلة تلح على خاطره ، فلما طالعة « دوخلة » أعني ابن القارح بالسؤالات عن أصحاب ذوي الذنوب ، كتب اليه « رسالة الغفران » ، ليسخر به ، وسكت عن أي ذكر للوزير المغربي ، كأنما يقول له : عليك أن تقرأ اللزوميات ، لتعرف رأيي فيه ، فقد كان الوزير المغربي كغيره من البشر ذا هنات يسيرة قيدها الحافظان ، ولكن ما أقربها من الغفران . ولذلك يصدق في رسالة الغفران ما قلته فيها منذ زمن بعيد : « نخطئ كثيرا إذا اعتقدنا أن رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء هي التي دفعت فيلسوف المعرة إلى إنشاء » الغفران « دفعة واحدة ، دون أن تكون مقدماتها حاضرة في نفسه منذ زمن بعيد . ولو أن ابن القارح لم يكتب رسالته ، لكان لا بد لرسالة الغفران أن تكتب على نحو ما حين بلغ التهيؤ النفسي حده الأقصى لابداعها » . هذا ما قتله بدافع الحدس القوي ، وأنا اليوم أجد شواهده بالاستقراء ، وخير شاهد على ذلك هذه العلاقة التي حاولت رسم خطوطها العريضة بينه وبين الوزير المغربي . السيد أحمد الحسيني التنكابني : ولد في تنكابن حدود سنة 1245 وتوفي فيها حدود 1300 وقرأ المقدمات والمبادىء في تنكابن ثم ذهب إلى طهران واشتغل بالتحصيل وفي شوال 1267 ذهب إلى قاشان وبقي بها مشتغلا بالتحصيل حتى شعبان 1268 ثم ذهب إلى أصفهان حتى سنة 1273 وكان يحضر عند اعلامها . ثم عاد إلى موطنه وبقي فيه منشغلا بالتدريس والتأليف وقضاء حوائج العامة له مؤلفات منها : 1 - رسالة في المعاد . 2 - رسالة في شرح بعض الأدعية والأحاديث . 3 - الحاشية على شرح الجغميني في الهيئة : فارسية وأخرى عربية . ( 1 ) الشيخ أحمد بن الشيخ حمد الله : كان حيا سنة 1211 ه . من شعراء القرن الثالث عشر المنسيين لم أقف على تاريخ حياته في كتب السير والتراجم إلا أن الشيخ علي آل كاشف الغطاء ذكره في كتابه الحصون المنيعة في طبقات الشيعة المخطوط وكان من معاصري الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء المتوفى سنة 1228 هوله قصيدة في نهنئته عند عوده من الحج سنة 1211 هقال صاحب الحصون المنيعة ( الشيخ أحمد بن الشيخ حمد الله شاعر ماهر جيد القريحة كان في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة لم أقف على شرح حاله ولا ترجمة أحواله سوى إني عثرت له في بعض المجاميع العتيقة على قصيدة نظمها في تهنئة جدي الشيخ جعفر عند مجيئه من الحج عام 1211 ذكرنا بعضها ، وعلى بعض مقاطع في الغزل والنسيب منها قوله : إليك اعتذرنا والفتى يقبل العذرا فمن كان يمحو الذنب يكتسب الأجرا فلا تحسبن تركي الزيارة جفوة ولا تحسبن تركي الوصال لكم هجرا وحقك يوم واحد من فراقكم لدي إذا ما غبتم يعدل الدهرا أحن إلى رؤياكم كل ساعة كما حنت الخنساء ذاكرة صخرا وانشق أنفاس النسيم لعلني أشم بها من طيب أنفاسكم عطرا وأكتم سري في هواكم مخافة وسيما الهوى تبدو وإن كتمت جهرا وإني على العهد الذي تعهدونه حفيظ ذمام لا أذيع لكم سرا هواكم بقلبي طائر يستفزني ولم يتخذ إلا فؤادي له وكرا فمنوا على الخل الوفي بنظرة أسر بها يوما وإن وقعت شررا هبوني إليكم قد أسات فأحسنوا فواحدة الإحسان تجزى بها عشرا أسرت فؤادي في هواكم محبة ودون التلاقي لن أفك له أسرا فلا ورد لي إلا جميل صفاتكم أردده شوقا وامعنه فكرا ولا زال دهري تعتريني همومه إذا ما أتت صبحا اتاني بها عصرا فدمعي طليق في هواكم مسلسل وقلبي بقيد البين قيدته قسرا أغالط خلي في هواكم مخافة ورب خليل يبطن الغش والغدرا واعرض عمن في هواكم يلومني كان بسمعي عن ملامته وقرا
--> ( 1 ) الشيخ محمد السمامي .