حسن الأمين
216
مستدركات أعيان الشيعة
أخرى نادرة : وهي قدرته على الاتصال بما يسميه الفلاسفة « العقل الفعال » الذي هو أعلى منزلة من العقل الإنساني الذي « ينفعل » به ويستفيد منه . فلا جرم أن تكون غاية العقل الإنساني وسعادته في أن يتصل بالعقل الفعال ، وبهذا الاتصال يقترب الإنسان من الله . وليس إنسان قادرا على هذا الاتصال بالعقل الفعال وإنما يستطيعه القليلون من أهل الصفاء لم يشغلهم عالم المادة عن عالم الروح ، إلى اختراق الأرض ، وتطلعوا إلى اجتلاء السماء . وأهل الصفاء عند الفارابي فريقان : ( الفلاسفة وفريق الأنبياء . وكل من الفريقين يستطيع ، على طريقته الخاصة : ان يجتلى الأنوار ، حين يتصل بالعقل الفعال : فما يستطيعه الفيلسوف بالنظر العقلي والتأمل الميتافيزيقي « المجاوز للمادة » يستطيعه النبي بمخيلة ممتازة وقوة قدسية أودعها الله فيه . وإذن فالفيلسوف والنبي ، فيما يرى الفارابي هما أجدر الناس بتولي رئاسة المدينة الفاضلة لأنهما ينهلان من منهل واحد رفيع ، ويرميان إلى غاية واحدة سامية ، لأن كليهما ، بمواده الخاصة واستعداده لتلقي الأسرار الإلهية ، يستطيع الاتصال بالعقل الفعال ، الذي هو منبع الوحي والإلهامات السماوية ، ومصدر الشرائع والنواميس الضرورية لسير الجماعات البشرية . والفلسفة والوحي كلاهما ثمرة من ثمرات الوجود الإلهي يفيضها الله على من يشاء من عباده الصالحين . السعادة العليا أو الخير الاسمي على أن الفارابي يريد أن لا ينسى أن المدينة الأرضية ، مهما يكن كمالها ، ليست غايتها في نفسها ، وإنما هي تدرج في السعي للوصول إلى السعادة العليا التي هي الخير الاسمي الذي يمكن أن تناله النفوس الزكية في العالم الآخر . « والسعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود بحيث لا تحتاج في قوامها إلى المادة ، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام ، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد ، وأن تبقى تلك الحال دائما . . » . فالنفوس الخيرة العارفة هي التي تبقى وتدخل العالم العقلي ، وكلما زادت درجتها في المعرفة والفضيلة في هذه الحياة ، علا مقامها بعد الموت ، وزاد حظها من السعادة في الحياة الأخرى . وكلما كثرت الأنفس المتشابهة ، « المفارقة » للمادة ، واتصل بعضها ببعض ، كما يتصل معقول بمعقول ، زاد التذاذ اللاحقين بالماضي ، « وزادت لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم » . لأن كل نفس تعقل ذاتها ، وتعقل النفوس الأخرى المشابهة لها ، وكلما زاد تعقلها زادت لذائذها . وتكون تلك حال كل طائفة مضت وكل طائفة لحقت على مدى الزمان إلى غير نهاية . والظاهر من هذه النظرية في السعادة أن الفارابي أراد أن يقول إنه حين الخروج من هذه الدنيا ، تذهب النفوس أفواجا لتلتقي بمواكب الراحلين السابقين ، وتتحد بها اتحادا عقليا ، إذ ينضم كل شبيه إلى شبيهه . وبهذا النحو من انضمام الروح إلى الروح تزيد لذات الغابرين والوافدين . فكرة فلسفية اسلامية طريفة ، تحتاج إلى فنان يقف عندها يستوحيها ، وإلى شاعر ينظمها قصيدة بارعة ، أو إلى موسيقى يصوغها لحنا جميلا ، أو إلى رسام يجعل منها لوحة تسر الناظرين . خاتمة تلك صور سريعة من آراء الفارابي . والرجل كما قلنا فيلسوف ، بأجمل ما لهذه الكلمة من معان . رجل جمع بين ميزتين : الإخلاص للفلسفة ، والايمان بالدين . وبهاتين الميزتين حاول أن يوفق بين لغتين ، لغة العقل ولغة القلب ، وهما - عنده - لغتان مفهومتان ، ضروريتان للانسانية التي تريد أن تسمو على نفسها ، ساعية وراء الكمال . وكان الفارابي قد جاء إلى العالم ليؤدي رسالة جليلة ، خلاصتها أن الفلسفة والدين هما النبع الصافي للحياة الروحية ، التي بها يكون المجتمع الإنساني فاضلا ، وبدونها يكون مجتمعا ضالا ، فويل للمجتمع إذا تنكر للفلسفة أو انحرف عن الدين ! وما أشقانا إذا طغت علينا المادة ، فخلت حياتنا من مشاغل الروح . محمد باقر المعروف بالفاضل السبزواري . ولد في ( نأمن ) أو ( نامين ) من قرى سبزوار وتبعد عنها بمقدار أربعة فراسخ ونصف الفرسخ ، وجهل تاريخ ولادته وتاريخ وفاته ولكنه كان حيا سنة 1083 . درس في مشهد الرضا ثم هاجر إلى أصفهان وفيها وصل إلى منصب شيخ الإسلام ، ثم عاد إلى مشهد فبقي فيها حتى وفاته ، وقد دفن في سرداب من حجرات مدرسة ميرزا جعفر المتصلة بالصحن الشريف والتي هي مدفن كثير من العلماء . جدد سنة 1083 بناء المدرسة السميعية التي كانت خرابا وجعل مكانا لتدريسه ، وهي معروفة الآن بمدرسة ملا محمد باقر . من مؤلفاته : كتاب الذخيرة ، وله رسائل في الكلام وبعض الفنون الأخرى الشيخ محمد باقر بن محمد جعفر الأصفهاني الفشاركي . ولد في حدود سنة 1252 وتوفي سنة 1314 ودفن في تكية آغا حسين الخونساري في تخت فولاد بأصفهان . أخذ المقدمات على جملة من أفاضل أصفهان ثم تخرج في الفقه والأصول على الشيخ محمد باقر بن المولى محمد تقي الأصفهاني المتوفى سنة 1301 وغيره ثم تصدر كرسي التدريس والفتيا والإمامة والخطابة في جامع محلة نو وجامع القطبية بأصفهان والتف حوله جمع كثير من طلاب العلوم وتخرج عليه جمع من الفضلاء حيث كان له حوزة معمورة . وهو من فحول علماء العصر القاجاري ذكره الميرزا حسن خان في كتابه المآثر والآثار بما تعريبه : ( الملا محمد باقر الفشاركي كان في طبقات مشاهير علماء أصفهان نزح إلى طهران مرارا وهو من أكابر أئمة الجماعة وفحول الخطباء الموثوقين في العصر القاجاري ) وقال آغا بزرگ الطهراني في نقباء البشر : ( كان من تلاميذ الشيخ محمد باقر ابن محشي المعالم وغيره من علماء الدين حتى صار من العلماء الأجلاء الموثوق بهم عند العامة والخاصة في أصفهان كان يباحث خارجا فيحضر بحثه في المدرسة زهاء مائة من الفضلاء والطلاب ويقيم الجماعة فتاتم به المجاهير الكثيرة وكان خطيبا بارعا إذا رقي المنبر أرضى الحضور على اختلاف طبقاتهم وأفاد كلا بحسبه وكان يخرج ليلة الجمعة في جمع من أصحابه إلى تخت فولاذ وهي ( مقبرة في أصفهان كبيرة جدا تضاهي وادي السلام في النجف ، فيحييها إلى الفجر بتلاوة القرآن وقراءة الأدعية المأثورة والوعظ والإرشاد والبكاء وبعد إقامة صلاة الصبح يدخل البلد . . . ) ترك مؤلفات طبع قسم منها . ( 1 ) السيد محمد باقر بن السيد علي ( صاحب حاشية القوانين المشهورة ) ابن السيد إسماعيل القزويني . ولد في النجف الأشرف سنة 1270 وتوفي بكربلاء يوم الأربعين الحسيني سنة 1338 ودفن في الصحن الحسيني كان من أكابر علماء قزوين وفحول فقهائها البارزين أخذ المقدمات والسطوح عن أبيه الشهير السيد علي
--> ( 1 ) الشيخ عبد الحسين الصالحي .