حسن الأمين

21

مستدركات أعيان الشيعة

والطبيعة ، والكيمياء ، والفلك ، والسياسة ، والتاريخ ، واللاهوت ، ودرس تراث اللاتين ، وألم بتراث اليونان والشرق بطريق غير مباشر ، وعرف ثقافة العصور الوسطى ، وتعلم الفرنسية ولغة البروفنس ، ودرس أدب التروبادور . هكذا اجتمعت لدى دانتي الحكمة المشرقية كلها ، وبلاغة اليونان ومحبة الله في المسيحية ، وعظمة المدينة الرومانية ، وكان يحترم أرسطو ، ويتبع توما الاكويني ، ولا يحجم عن الاطلاع على التراث العربي وفلاسفته ويستلهم مادته من التوراة والإنجيل وما أمكنه الاطلاع عليه من الفكر والتراث الإسلامي من هذا المضمار . غير أن مرد التأليف بين الأضداد في نفس دانتي يعود إلى قدرة التوحيد الطبيعي في عبقريته . وقد نفذت بشتى الثقافات . وبفضل هذه الكونية التامة التي كانت تؤاخي بين الماضي والحاضر والمستقبل استطاع دانتي ان يجعل من نفسه في « الكوميديا » رمزا للجنس البشري أجمع . وطرفة دانتي من الفها إلى يائها بطابعها الخاص وأهدافها ، ليست إلا تكافؤا جميلا غريزيا لشقاوته وضعفه . استنادا إلى ما قدمنا من بواعث وأسباب مباشرة وغير مباشرة في أوجه المقارنة في رسالة الغفران ، والكوميديا الإلهية ، حق لنا اتهام النقاد بالتجني على دانتي ، والقول بأخذه فكرة الرحلة إلى الممالك الإلهية عن أبي العلاء ، ومحاكاته من ثم وتقليده . كثيرون هم الجناة والمدعون ، أمثال قسطاكي حمصي الذي قال « بسرقة دانتي لموضوع أبي العلاء وتخلفه عنه في السمو والبيان » ، ( 1 ) وقول الدكتور عمر فروخ « ان المعري سبق دانتي إلى بعض تخيلاته » ( 2 ) وتعصب مصطفى آل عيال ( 3 ) الذي لا يريد بدوره « ان ينقص من حق المعري الذي هو بغنى عن أن يضاف إلى مجده مجد آخر » ، وذلك بتلقيبه « ملهم دانتي » أو قول زيدان « باقتباس دانتي فكرة الكوميديا من » الغفران « أو قول » كرد علي « ان شاعرنا كان معلما لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال . فذلك ومثله ما يمكن حمله على محمل التعصب ، وهو أيضا مما يمكن إغفاله والسكوت عنه ، لأنه لم يأخذ سمة البحث العلمي . غير أن المهم في آراء النقاد هو كتاب « سيجويل اسين بلاسيوس » . وليس بلاسيوس بالعربي ، أو الشرقي ، أو المسلم ، حتى يحمل قوله على التعصب ، وليست دعواه ، احكاما سريعة مرتجلة حتى تقابل بالاستهانة . انما هي شهادة من أهلها . شهادة كاثوليكي ، من الإسبان المعروفين بالتعصب . وجاء بلاسيوس يقرر بعد دراسة واسعة متخصصة ، قضى منها خمسا وعشرين سنة ، باحثا منقبا في التفكير الإسلامي في العصور الوسطى - جاء يقرر « أن أصولا اسلامية - من بينها الغفران - قد كونت أسس الكوميديا الإلهية تلك القصيدة التي طبعت كل الثقافة الأوروبية المسيحية في العصور الوسطى » . ولكن بلاسيوس وقف في مظاهر التشابه عند رسائل جزئية غير ذات بال ، وظواهر سطحية لا يمكن ان يحتكم إليها في مثل تلك القضية . ومن أمثلة الحكم على دانتي بأخذه من أبي العلاء ، في رأي بلاسيوس ، نورد المثلين الآتيين : ( 4 ) 1 - لاحظ بلاسيوس مثلا ان [ آباء ] أبا العلاء لكي يحقق هدفه المزدوج ، الأدبي والديني ، يلقى الشعراء في جهنم منفردين واحدا بعد الآخر ، أما في الجنة فيلقاهم جماعات . وكذلك فعل دانتي ، فهذه الحلقات الأدبية لأبي العلاء تعادل الحلقات والتيجان التي نظمها دانتي في السماوات من رجال الدين والجنود والقضاة وغيرهم . وقد جاء بلاسيوس في دليله بما يضعفه ، فأبو [ أ ] العلاء لا يلقى إلا الشعراء ولا يريد سواهم ودانتي يريد أقواما آخرين ، أكثرهم لا يمتون إلى الشعر بسبب . 2 - كذلك رأى بلاسيوس ان الطريقة التي كان أبو العلاء يلقى بها من أراد من الشعراء تشبه الطريقة التي اتبعها دانتي : « فهو اما ان يستعلم عن روح بعينها فيرشد إلى صاحبها ، واما ان تظهر له فجاة روح يخطئ معرفتها ، فيسأل عن اسم صاحبها » . وبحسبنا في التفريق ما بين الشاعرين هنا ، ان « ابن القارح » كان يلقى الأشخاص بأجسامهم ، ولم يحدث قط ان لقى روحا أو تحدث إلى روح على حين لم يلق دانتي سوى الأرواح . نكتفي بهذين المثلين شهادة على تجني آسين بلاسيوس على دانتي ، وليس بوسعنا الإطالة ، وكشف نقاط أخرى ، وقد اعتمدنا في ذلك على بنت الشاطيء ، لعجز منا في قراءة نص بلاسيوس الإسباني . وكدراسة مقارنة ، أؤيد أحكام بنت الشاطيء في بحثها الرصين المتعمق والموضوعي ، ويكفيني اثباتا ما قدمته من بواعث كتابة لرسالة الغفران والكوميديا الإلهية ، إلى جانب دراسة وجوه التشابه والاختلاف في كل من الرحلتين ، وهي وجوه نابعة من أصالة عالمين داخليين مختلفين ، ومن عمق ثقافتين متمايزتين ، ومن غايتين مفارقتين - قصد إليهما الأديب والشاعر : - ان الفكرة عند المعري كانت بسيطة في حد ذاتها . فقد أراد أن يسخر بعالم الأدباء ، وقد أصاب الهدف إصابة محكمة . وكان له أيضا هدف ثانوي ذكره طه حسين في كتابه « مع أبي العلاء المعري في سجنه » حيث قال : « لقد ألف أبو العلاء رسالة الغفران ليبرهن عن واسع خياله وعظيم مقدرته بالعلوم اللسانية واللغوية ، وغريب الشعر والألفاظ والمفردات ومعانيها المختلفة ، ولم يكن همه العالم الأخروي ، ولم يعنه تركيب هذا العالم ، ولا سيما التركيب المعنوي والخلقي للجنة والجحيم . ولم يصف الصراعات التي تتاكل بين البشر تكالبا منهم على حطام الدنيا في شتى المناحي والميادين . لقد ركز همه في الشعراء فقط وبغريب الأبيات من الشعر » . وما كان بهتان صوره وعبثيته وسخريته إلا لتأكيد ذلك . - أما كوميديا دانتي ، في صورتها الأدبية ، فتعد عملا مبتكرا لم يسبق اليه الشاعر ، كما أن هذا العمل استعصى نظيره على من جاء بعده فكثير من الشعراء حاول تقليده أو مجاراته في هذا الميدان الذي فتحه ، لكن ذلك كان بدون جدوى ، فلم تكد الأعمال التي انبثقت من هذا التقليد تولد حتى تداعت وانزوت إلى ظلال كثيفة من النسيان . وعد بحق الدكتور عبد السلام كفاني ( 5 ) الكوميديا « بأنها ملحمة عن الإنسان وحياته وموقفه في مواجهة العدالة الإلهية » . في حين قال حسن عثمان ( 6 ) « الكوميديا مرآة الحياة وقصيدة الإنسان

--> ( 1 ) قسطاكي حمصي : المقال الرابع من مجلة الرسالة الصادرة عن المجمع العلمي في دمشق سنة 1934 . ( 2 ) عمر فروخ : حكيم المعرة - ص 97 . ( 3 ) مصطفى آل عيال : سلسلة اقرأ رقم 164 - ص 95 . ( 4 ) الغفران : لعائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطيء ) ص 328 . ( 5 ) الدكتور عبد السلام كفاني : « في الأدب المقارن » ص 181 . ( 6 ) مقدمة جحيم الكوميديا ص 63 ترجمة حسن عثمان .