حسن الأمين

194

مستدركات أعيان الشيعة

أيضا ، وتنحصر فعليتها في كونها بالقوة فعلا . وبين هاتين المرتبتين اللتين تقع كل منهما عند أحد رأسي سلسلة الموجودات . هناك مراتب - من وجهة نظر عقلية - تتالف من الكمال والنقص والقوة والفعلية . وكلما صعدنا نحو أعلى السلسلة كان خط الكمال والفعلية أوفر ، وكلما هبطنا أسفل السلسلة تزايد النقص والقوة . ويدعى المفهوم المتحصل اصطلاحا ب « الوحدة التشكيكية للحقيقة » . لقد استبدل ثبوت هذه النظريات الثلاث - بشكل كامل - « الاصالة ، الوحدة ، والتشكيك في حقيقة الوجود » التصور السائد لعالم الوجود وكل ما ينطوي عليه . فقد ألغي من أفق الفيلسوف ما كان يحسب على أساس التصور الساذج ، من أن عالم الوجود عبارة عن سلسلة ماهيات ليس بينها أي لون من ألوان الارتباط الذاتي وهي أجنبية بعضها عن البعض الآخر ، وكل منها منفصل ولا علاقة له بالآخر . وحل محله التصور الذي تبدو خلاله الحقيقة النورية للوجود ، حيث ينبسط بصفة الوحدة وخصوصية الإطلاق ضمن درجات ومراتب مختلفة ، وترتبط ظواهره أكمل أشكال الارتباط في عين كونها مختلفة . فتبدوا هذه الظواهر مرتبطة ومختلفة بعضها مع البعض الآخر . يضحى عالم الوجود - وفق التصور الجديد - نظير محيط من النور اللامتناهي ، وقد حل مشعل هذا النور في قلب هذا المحيط بفعل قوته اللامتناهية وغير المتحيزة بمكان وغير المحددة بزمان ، ويضيء هذا المشعل بلمعاته وأشعته باستمرار . وتبدو لمعات هذا المشعل بدرجات مختلفة وأحكام وآثار متفاوتة على أساس القرب والبعد منه . ومن هنا يفهم جيدا أن الفلسفة التي يتناول بحثها على أساس هذا الطراز من التصور العام لعالم الوجود ستختلف بشكل كامل في طريقة بحثها مع الفلسفة التي تفترض العالم مؤلفا من سلسلة ماهيات منفصلة دون ارتباط بينها ، وتتناول كل ظاهرة بشكل تجزيئي . ومضافا للاختلاف في أسلوب البحث وطريقته فسوف تبرز جملة مسائل أساسية وعميقة ، لا يمكن العثور على سبيل لتصورها والاستدلال عليها وفق المنهج التجزيئي على الإطلاق . لقد أدى بروز هذا المنهج الفلسفي على مسرح الأبحاث الفلسفية إلى خلق مصالحة وانسجام بين الذوق والبرهان . يعني : أوضح هذا المنهج برهانيا جملة من المفاهيم التي تقوم على أساس الذوق . فبعد استلهامها عن هذا الطريق « الذوق » شيد لها صرحا من البراهين وحشرها في صف مسائل الفلسفة التي تمثل محصلة برهانية . وفي نهاية المطاف وسع رقعة المسائل الفلسفية التي كانت تبحث في مدرسة اثينا والإسكندرية ، حيث بلغت في حدها الأعلى آنذاك « 200 » مسألة ، بينما أضحت وفق هذا المنهج ( 700 ) مسألة تقريبا . بعد أن أبان صدر المتألهين هذه المسائل الثلاث بشكل واف ، وبعد أن أوضح الأحكام العامة للوجود من قبيل البساطة ، وسائر الأحكام السلبية الأخرى ، عكف آنذاك على بيان التقسيمات العامة - الكلية - للوجود ، وكان من جملتها : 1 - تقسيم الوجود إلى خارجي وذهني : فصل الحديث في هذا البحث حول حقيقة العلوم التصورية والتصديقية ، كما أوضح مسألة حصول الماهيات والمفاهيم في الذهن وطريقة تحققها ووجودها . 2 - تقسيم الوجود إلى مستقل ورابط : ضمن هذا البحث تصنف الموجودات إلى صنفين متمايزين ، كما يفرز الوجود الرابط ، ووجود النسبة ، الذي ليس له أي لون من الاستقلال لا على مستوى الذات ، ولا على مستوى الآثار والأحكام ، عن الوجود المستقل . ويستخلص من هذا التقسيم في جملة ما يستخلص من نتائج مثمرة ، أن تكون الوجودات الإمكانية بالنسبة للوجود الواجب روابط ونسب ليس لها أي لون من الاستقلال في نفسها وآثارها ، وكل ما يشاهد فيها من مظاهر الاستقلال فهي تعود في الواقع للوجود الواجب . 3 - تقسيم الوجود إلى لنفسه ، ولغيره الوجود النفسي ، والغيري ، وبهذا التقسيم تتمايز حقيقة ومفهوم الوجود وصفاته عما سواها . ولم يعهد البحث المستقل لهذه المسائل الثلاث قبل صدر المتألهين . 4 - تقسيم الوجود إلى ممكن وواجب : يتناول خواص الواجب والممكن على نهج الاستقصاء في هذا التقسيم . 5 - بحث الماهية : يمثل هذا البحث في الحقيقة إدامة لبحث الممكن ، ويدور الحديث فيه حول تقسيمات الماهية ، وخواصها . وقد عكف صدر المتألهين في خاتمة هذا البحث على دراسة مشبعة لمفهوم « أرباب الأنواع » . 6 - تقسيم الوجود إلى الواحد والكثير وأقسامهما وخواصهما 7 - تقسيم الوجود إلى العلة والمعلول ، وأقسامهما وخواصهما . 8 - تقسيم الوجود إلى ما بالقوة ، وما بالفعل : تصنف الموجودات عبر هذا التقسيم إلى صنفين : الموجود بالفعل ، وهو موجود كامل وتام من ناحية موجوديته ، وآثاره الوجودية ظاهرة وثابتة ، نظير الفرد الكامل من الإنسان الذي هو إنسان بالضرورة ، والذي تبدو من خلاله آثار الإنسانية . والموجود بالقوة ، وهو يحمل إمكان موجودية خاصة ، ولم تظهر بعد الآثار الضرورية لهذه الموجودية ، نظير وجود الإنسان في النطفة « مادة النطفة » حيث إنه نطفة بالفعل ، الا انه إنسان بالقوة ، وليس له بالفعل الآثار الضرورية للانسانية . لقد حسب الفلاسفة السالفون خروج الشيء من القوة إلى الفعلية على نحوين : الأول : الخروج الدفعي ، نظير تبدل أحد من جواهر العناصر بعنصر آخر ، مثل تحول النار إلى هواء ، حيث تنتفي صورته العنصرية دفعة وتحل محلها صورة عنصر آخر . الثاني : الخروج التدريجي ، وهو الذي يحصل عن طريق الحركة ، نظير انتقال عرض - من جوهر ما - إلى عرض آخر ، كالانتقال التدريجي من كيفية إلى كيفية أخرى ، أو من وضع إلى وضع آخر ، أو من مكان إلى مكان آخر . وفي المحصلة تنحصر الحركة بأربع مقولات عرضية ( الكيف ، الكم ، الوضع ، الأين ) .