حسن الأمين

19

مستدركات أعيان الشيعة

الأسلوب ، وقد يكون هذا التأثر تتلمذا ، كما قد يكون عن غير وعي ، وإنما النقد هو الذي يكشف عنه . 4 - وأخيرا هناك السرقات وهذه لا تطلق اليوم إلا على أخذ جمل أو أفكار أصلية وانتحالها بنصها دون الإشارة إلى ماخذها وفي نهاية هذا البحث يمكننا القول إن الرسالة الموضحة للحاتمي جديرة بالعناية والدرس ، فهي ركن أساسي من أركان الاتجاه الكلاسيكي المحافظ في النقد من ناحية . كما أنها أثارت قضايا على قدر كبير من الخطورة والأهمية من ناحية أخرى كما أوضحت . وفي النهاية هي لبنة من لبنات تراثنا النقدي العريق . أحمد أبو العلاء المعري مرت ترجمته في مكانها ، كما مرت عنه دراسات في المستدركات ونضيف هنا إلى ذلك ما يلي مكتوبا بقلم آمينة عصن أوجه التشابه والاختلاف بين غفران أبي العلاء وكوميديا دانتي إذا كانت المقارنة مصدرا خصبا من مصادر المعرفة الإنسانية فان الإنسان في مختلف دراساته اتخذ المقارنة سبيلا للوصول إلى الحقائق الجوهرية المتعلقة بميادين بحثه . ففي علم الحيوان مثلا قارن الدارسون بين الحيوانات المختلفة فصنفوها إلى أجناس وأنواع . وكان هذا التصنيف مبنيا على الملاحظة وملاحظة الخصائص الجوهرية لكل جنس من الأجناس وكل نوع من الأنواع المتباينة . ولقد خضعت اللغات وهي أدوات التعبير عن الأدب لمثل هذه الدراسة المقارنة ، فكان لها أثرها العميق في التعرف إلى أصولها ، والإحاطة بما تحقق لها من تطور خلال العصور . لقد طبقت الدارسة المقارنة على المفردات اللغوية ، كما طبقت على المركبات ، وكان من نتائج تطبيق الدراسة المقارنة على المفردات أن وجد لدينا علم اللغة بفروعه المتعددة ، كما كان من نتائج تطبيقها على المركبات في اللغات المختلفة ، ذات الأصل الواحد ، ان وجدت لدينا دراسات كثيرة في النحو المقارن ، فادى ذلك إلى تصنيف لغات العالم إلى أسر لغوية تضم كل أسرة منها مجموعة من اللغات يجمع بينها أصل واحد مشترك . أما الأدب فيمثل مشكلة قائمة بذاتها ، تختلف عن الحالات السابقة التي أشرنا إليها . ان الدراسة الأدبية المقارنة لا تتناول قضايا محسوسة بل هي تدور حول تأثيرات قد تتضح وقد تخفى . ولا يكون وضوحها بالضرورة مقتبسا من مميزات الأعمال الأدبية المقارنة ، بقدر ما يكون مقتبسا من قرائن خارجية على هذا التأثير . اما الاقتصار على مجرد المشابهة فكثيرا ما قاد إلى أخطاء كان منشؤها الاقتناع بظواهر الأمور بدون غوص إلى بواطنها . وفي ضوء هذا الفهم ، لا بد لنا ، ونحن بصدد دراسة رحلتي أبي العلاء ودانتي من دراسة بواعث الرحلتين الظاهرة والخفية ، والإشارة إلى نقطة انطلاق هذين الرحالين وتحديد محطة السفر الأولى ، لأنه بحيث انطلق أبو العلاء من الجنة وأبدع في تصويره لحياة الفردوس ، انطلق دانتي في المقابل من الجحيم الملغز ، والنيران المتأججة هذا إلى جانب انطلاق أبي العلاء في رحلته متقمصا شخصية ابن القارح ، في حين ذهب دانتي بنفسه يستطلع ويستكشف . وتعود كتابة « رسالة الغفران » إلى أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة . 1 - دراسة الأسباب غير المباشرة : 2 - الأسباب الظاهرة : ظاهر الأمر ان الرسالة كتبت ردا على رسالة بعث بها ابن القارح إلى أبي العلاء ، فخرج بذلك إلى النور في وقت لم يسجله تقويم الزمن ، من الربع الأول للقرن الخامس الهجري ، نص أدبي كتب له ان يخلد مع روائع الآثار الباقيات ، فكانت « رسالة الغفران » . 3 - التراسل كنوع أدبي : غير أن وراء السبب الظاهر دواعي أخرى ان تخف على البعيدين عن دراسة ذلك العصر ، فلن تخفى على من تعرفوا حياة أهله ، وعرفوا ولع أدبائه بالتراسل ، لسبب ولغير سبب ، سوى إظهار البراعة ، وعرض البضاعة . ورسالة ابن القارح تأخذ في شكلها وظاهرها صورة الرسائل الاخوانية ، لكن كاتبها الذي لم تكن تربطه بأبي العلاء معرفة سابقة ، لم يعن بالمسائل الاخوانية بقدر ما عناه سرد محفوظه من اللغة ، والأخبار والأشعار ، والإعلان عن براعته ، والتحدث عما لقي من الأئمة والشيوخ . وقد جرى أبو العلاء - مثل ابن القارح - على عادة عصره ، واقتفى أثر الأدباء قبله ، وتبع سنتهم ، فمضى مثلهم يعرض بضاعته ، ويترجم بحديثه عن حاجة في نفسه . الأسباب المباشرة : لكننا مع القبول بهذه الأسباب الظاهرة ، ومع فهمنا لروح العصر وتقديرنا لأثر أبي العلاء ، قد نستغرب تلك الرحلة الخيالية الطويلة المثيرة التي قاد صاحبه إليها ، فطاف به في ارجاء العالم الآخر ، وأذاقه من ألوان النعيم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ويقربنا هذا الاستغراب إلى تعرف الأسباب المباشرة ، للقيام بهذه الرحلة ، وتقديمها بالشكل الذي قدمت به ، ومنها : أ - الخصائص الخاصة بحياة المعري : إذا قلنا إن أبا العلاء كان يعرض بضاعته من العلم واللغة والفن ، فلقد كان إلى جانب هذا يحلم ، وينال من عالم الخيال ما لم ينله من عالم الواقع ، خاصة إذا ما عرفنا ان حياة أبي العلاء قد انشطرت إلى شطرين واضحين ومتميزين : - كان في أولهما يعيش في دنيا الناس ، ويأخذ فيما يأخذون فيه من لهو ، وجد محاولا ان يشارك في حياتهم ، ومناضلا بكفايته وامتيازه ليظفر بما كان له فيها . - في حين كان معتكفا في دنياه منصرفا إلى التأمل والإملاء في عهده الثاني . ب - حالة أبي العلاء النفسية : وبتحديدنا للزمن الذي كتبت فيه الرسالة ، وهو في أخريات الربع الأول للقرن الخامس الهجري ، يسهل علينا ان نتعرف إلى الحالة النفسية لأبي العلاء حين أملاها . غير أننا لا نملك أن نحدد بالضبط مبدأ كل عهد من حياته ومنتهاه ، لأن العلائي انصرف بنفسه عن دنيا الناس ، قبل ان ينسحب منها ، ونفض يديه منها وهو لا يزال فيها ، وفكر في اعتزالها طويلا قبل ان يجمع أمره على العزلة في محبسه بمعرة النعمان . لكننا نملك ان نقول إنه كتب « رسالة الغفران » في صميم الشطر الثاني من حياته ، وكان إذ ذاك يستهل العقد السابع من عمره . ج - يأس أبي العلاء ونضجه : وكتب العلائي « رسالة الغفران » بعد أن هزم في النضال مع الدنيا ونسا به مكانه بين الناس ، كتبها بعد أن يئس من بلوغ ما اشتهاه من مجد