حسن الأمين
188
مستدركات أعيان الشيعة
وقد اشتهر أبو القاسم التنوخي أيضا بالظرف وحسن المنادمة ولهذا مال اليه كبار رجال العراق كالوزير المهلبي الذي كان ينادمه ليلتين في الأسبوع مع قاضيين آخرين هما ابن قريعة وابن معروف . وقد عدوه لطيب عشرته وكرم أخلاقه وحسن اخباره ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء . أما عم أبي علي التنوخي فقد كان قاضيا ومن أهل الأدب أيضا ، لذلك نجده يروي عنه في كتبه . ويبدو أن جده لأبيه كان من أهل الأدب أيضا . وكان لهذا الجد تأثير واضح في تربية أبيه أبي القاسم وتوجيهه نحو حفظ الشعر ولا سيما الأشعار التي تغنت بامجاد اليمن . وحفظ أشعار الطائيين أبي تمام والبحتري . الا ان التنوخي لم يحدثنا شيئا عن اخوته كما حدثنا عن جده وأبيه وعمه . فالأرجح انه كان وحيدا لأبيه . أما عن عدم ذكره لأمه فإنه قد سار في ذلك على نهج بعض من تقدمه أو عاصره من المؤرخين والأدباء الذين لم نعرف عن أمهاتهم شيئا . علما بأننا لا زلنا نجهل الكثير عن حياته هو نفسه وعن بقية أفراد عائلته الذين لم تذكر عنهم سوى طرف من الأخبار . اما إذا عثر على أجزاء أخرى من كتاب النشوار فمن المحتمل أن نجد فيها ما يسد الثغرات التي نراها في حياة أبي علي وعائلته . لذلك لا يمكن تأييد Fakkar فيما ذهب اليه من أن سكوت التنوخي عن أمه دليل على أنها من عائلة مجهولة ومن أصل وضيع . فعائلة التنوخي التي نشا فيها كانت عائلة فاضلة اشتهر رجالها بالقضاء كما اشتهروا بالأدب والظرف . فكان لهذه البيئة العلمية أثرها في نشأة أبي علي المحسن . ولهذا أتينا على ذكر سيرة أبيه . لأننا سنجد كثيرا من أوجه الشبه بين شخصية أبي علي المحسن وأبيه من حيث نتاجه العلمي . كما سنجد تأثير أبيه من حيث اتصاله بكبار رجال الدولة العباسية منذ صغر سنه . مما مهد الطريق له للبروز في المجتمع العباسي على الرغم من صغر سنه ، وما ترتب على تقربه من كبار رجال الدولة من مطاردة وتشرد نتيجة لتنحية هؤلاء عن مناصبهم . وقد خلف أبو علي التنوخي ابنا فاضلا هو أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ( 365 - 447 ) وكان أديبا شاعرا . وقد تقلد القضاء في عدة نواح . وروى الحديث عن أبيه . وبعض أخباره . المرحلة الأولى من حياته ولد بالبصرة ليلة الأحد في 26 ربيع الأول سنة 327 ونشا بها وبمنطقة الأهواز ، التي كان أبوه قاضيا فيها . ولم يغادرها قبل العشرين من عمره . وأما بقية حياته فالمعلومات عنها نادرة جدا . فلدينا إشارات عابرة خلال كتبه حاولنا جمعها وترتيبها حسب السنين كي نتبين منها ملامح حياته منها انه كان على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز سنة 346 . وانه سمع بمجيء الوزير المهلبي صديق والده إلى البصرة فخف لمقابلته والسلام عليه وكان ذلك في سنة 349 وان الوزير سأله عن عمله فأخبره بأنه يشهد عند قاضي الأهواز ابن سيار ، وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة . فلم يرض له الوزير هذا العمل على اعتبار أن أباه أبا القاسم التنوخي كان أستاذ قاضي الأهواز ابن سيار لذا دعاه للمجيء إلى بغداد ، ليقلده القضاء ، ومن ثم ليصبح هو الذي يقبل الشهود لا العكس وهكذا حضر التنوخي إلى بغداد ، فأمر الوزير المهلبي قاضي القضاة - وكان آنذاك أبو السائب - بتقليده القضاء فقلده سقي الفرات . وقد حددها ابن الجوزي بسورا وقصر ابن هبيرة . ومن الجدير بالملاحظة أن أبا السائب هذا كان قد صرف عن قضاء القضاة عندما ولي مكانه والد التنوخي أبو القاسم وذلك في سنة 340 كما مر الكلام سابقا . لذلك كان يضمر العداوة لمنافسة أبي القاسم . وقد تنبه الوزير المهلبي لهذا الأمر ، فعمد إلى حيلة يحمي بها أبا علي التنوخي من انتقام أبي السائب ، وذلك أنه اتفق مع التنوخي بعد توليته القضاء ، أن يجلسه بقربة في مجلسه العام ، ثم يأمره بالخروج عند دخول قاضي القضاة ليتوهم الأخير بان التنوخي أرسل في أمر هام من أمور الدولة وأن الوزير يعتمد عليه اعتمادا كبيرا وبذلك لا يفكر في إيذائه أو الانتقام منه . وكان التنوخي ببغداد في سنة 350 ، وفي سنة 351 . ويبدو أن وجوده ببغداد في هذه السنين يعود لقرب مقر عمله منها فكان يأتيها لقضاء حوائجه الخاصة أو لأمور رسمية تقتضي ذلك . ثم قلد قضاء عسكر مكرم ، قرب الأهواز ، الا اننا لا نعرف متى كان ذلك بالضبط ، ولكننا نجده بالأهواز سنة 354 عندما أخبرنا بأنه التقى بها بالشاعر المتنبي . وانه استمر متقلدا القضاء بها إلى سنة 355 . ثم انقطعت اخباره ما بين 355 - 360 ه ، حيث ظهر ببغداد بعد غياب طويل عنها كما قال هو نفسه . ولا نعرف ان كان مستمرا في عمله طوال تلك الفترة أم انه عزل عن القضاء . والأرجح انه كان مستمرا في عمله حتى سنة 359 عندما تبدلت الوزارة وجئ بأبي الفرج محمد بن العباس بن فسابخس وزيرا بدلا من أبي الفضل العباس بن الحسن الشيرازي . وقد استمر أبو الفرج في وزارته ثلاثة عشر شهرا وثلاثة أيام . ثم أعيد أبو الفضل إلى الوزارة ثانية وذلك في سنة 360 ولعل هذا هو الذي يبرر وجود التنوخي ببغداد في هذه السنة . وظهوره كأحد المهنئين في دار هذا الوزير . ثم قلد قضاء واسط سنة 363 . ويبدو انه استمر بواسط حتى سنة 365 كما جاء بإحدى حكايات النشوار . ومما يجلب الانتباه ان ابنه علي الملقب بأبي القاسم ولد بالبصرة في هذه السنة نفسها كما أكدته المصادر . لذلك لا يمكننا أن نبت بشيء في هذا الأمر . أما في سنة 366 فقد ذكر انه سمع فيها شعرا من أبي سعيد مساعد بن الجهم الشيباني ، الا انه لم يذكر اين كان ذلك . المرحلة الثانية من عمره ويبدو انه بعد هذا التاريخ تولى الكتابة على الحكم والوقف ببغداد لقاضي القضاة أبي العباس بن أبي الشوارب إضافة إلى ما كان يخلفه عليه بتكريت ، وداقوقا ، وخانيجار ، وقصر ابن هبيرة ، والجامعين ، وسوراء ، وبابل ، والايغارين ، وخطرنية . وبمجيء التنوخي إلى بغداد بدأ حياة جديدة ، حيث أصبح قريبا من رجال الحكم ، فقد اهتم به الوزير نفسه رعاية لحق أبيه . فأصبح من جلاسه والمقربين اليه . ولهذا نرى التنوخي كثير الترحم عليه كلما جاء ذكره في كتابه . ولما آل الأمر في سنة 367 إلى عضد الدولة في عهد الخليفة الطائع لله ، اتصل به التنوخي وأصبح من جلاسه وندمائه . فكان يأخذه معه في تجواله في المناطق البويهية . فيبقيه معه عدة شهور ، يستمتع بمنادمته وسماع شعره عند انعقاد مجالس الأنس ، كما حدث عندما أخذه معه إلى نهاوند وإلى همذان . وقد وصف لنا التنوخي هذه المجالس وكيفية انعقادها وكيف انه كان يجلس مع نفر قليل قريبا من عضد الدولة في الوقت الذي يقف فيه بقية الندماء كرؤساء الدولة ووجوه الكتاب والولاة وكبار أهل البلد من الاشراف وغيرهم . وعند ما يبدأ الشعراء بإنشاده أشعارهم يتقدمهم التنوخي فيكون أول منشد من الشعراء ثم يتلوه بعد ذلك بقية الشعراء . ثم اصطحبه عضد الدولة معه في حملته التأديبية للحمدانيين في