حسن الأمين
175
مستدركات أعيان الشيعة
كما جاء معرفا بال ومصغرا في شعر ربيعة الرقي . جميل والكثير قد أحبا وعروة من هوى لاقي حماما وأبوه عبد الرحمن بن الأسود . ألقابه وكناه في ألقابه وكناه قبسات تكشف جوانب هامة من شخصه وشخصيته أو يظهر مكانته الاجتماعية أو يدل على منزلته الشعرية أو يبين عقيدته أو ينم عن حبه أو يشير إلى قبيلته أو مسقط رأسه . أما ألقابه فأولها كثير وقد غلب عليه فعرف به دون اسمه كما غلب على جرول لقبه : الحطيئة الذي لقب به لقصره وانحطاطه إلى الأرض . ففي هذا التصغير تصوير لقده القصير . ولعله لم يكن محببا اليه . وربما كان أبغض منه ! زب الذباب وكان غرماؤه يقذعونه به وفي مقدمتهم زوج عزة الذي قال : لعمرك ما زب الذباب كثير بفحل ولا اباؤه بفحول وفي هذين اللقبين تصوير لمنزلته في نفوس خصومه أن لم يمثلا واقعه الشخصي ، إذ أن محتده الكريم وتعاليه عن الصغائر وحبه العفيف وموهبته الفنية كل ذلك جعل له منزلة لم يحظ بها كثير من شعراء عصره كالأحوص ونصيب . وملفت للنظر أن ينحته بعض من ترجم له بشاعر بني مروان وبشاعر عبد الملك خاصة الذي مدحه بقصائد بلغ من إعجابه بها أنه كان يستظهرها ويرويها أولاده وبلغ من نفاسة معانيها أن هارون الرشيد عندما سمعها حسده على أن الأيام لم تتح له شاعرا يحسن ان يقول في ملكه مثلما كان كثير يقول في دولة عبد الملك . فهذا الأمر ينطوي على أمرين أولهما تفوقه في المديح وثانيهما تناقض عقيدته إذ كيف أصبح شاعر عبد الملك وهو الكيساني الهوى ! وكيف لقب بشاعر بني مروان ولم يلقب بشاعر الكيسانية أو بشاعر الشيعة أو بشاعر محمد بن الحنفية أو بشاعر الإمام محمد الباقر ع الذي كان مختصا به في الغاية القصوى ومن شعراء حضرته كما يرى الخونساري ( 1 ) . أو بشاعر خزاعة أو بشاعر قريش التي أدعى أنه من صميمها لا سيما أنه في تلك البيئة حيث كل قبيلة وشاعرها الذي ينشر لواء مفاخرها كما كان الأخطل التغلبي والراعي النميري . . . كلها أسئلة لا بد من محاولة الإجابة عليها أثناء دراسة شعره . . على أن أشهر ألقابه اللقب الذي تعانق فيه اسمه واسم عزة التي هام بها منذ الصبا وما برح يترنم بمفاتنها ويلهج باسمها حتى عرف بكثير عزه وعرفت بعزة كثير وأصبح كل منهما يعرف بحبيبه أكثر مما يعرف بابيه أو بقبيلته أو باي لقب أو كنية من ألقابه وكناه . وسائر ألقابه تحمل نسبه القبلي وهي : الخزاعي ، وخزاعة قبيلته . والأزدي والأزد جده التاسع عشر . والملحي ومليح جده العاشر . والجعثمي وجعثمة جده التاسع من ناحية أبيه . ولقبه الخونساري بالمضري بعد أن قال : ونسبه المنيف ينتهي بخمس عشرة واسطة إلى الياس بن مضر . أما كناه فاشهرها أبو صخر وأغلب أنه اصطنع هذا الاسم وتكنى به إذ لم يذكر أحد المؤرخين ان له ولدا اسمه صخر ولعله أراد بهذه الكنية أن يرد على الذين نبزوه بكثير وبزب الذباب . وقد يعزز هذه الملاحظة اي تكنيه بصخر بالذات هو هذه اللفظة التي تشعر سامعها بصلابة الصخر وقوته . كما قد يؤكدها كبره البالغ الذي تميز به حتى صار مضرب المثل فقالوا : أمنع من كثير ! وعرف بأبي جمعة أيضا والأصفهاني وابن عساكر ذكرا له ابنة اسمها جمعة . نسبه يكاد يجمع الباحثون على أن كثيرا من خزاعة كما أن خزاعة من قحطان ونسبه الذي رواه الأصفهاني إلى قحطان يؤيد ذلك . ( 2 ) ونظرة إلى طرفي نسبه نرى انه خزاعي صميم يلتقي نسب أبويه في عمرو بن ربيعة . وشعره واخباره خير الأدلة على خزاعيته وقحطانية خزاعة . وعند ما ادعى القرشية وصمته خزاعة بالزنا وهجته شعراؤها وكادوا يقتلونه لولا لياذه بالهرب . ولما بلغ ادعاؤه النسب في قريش أبا الطفيل عامر بن وائلة الكناني وهو بالكوفة أمر كثير وتعييره خزاعة منهم حلف لئن رآه ليضربنه بالسيف أو ليطعنه بالرمح ولكن خندقا الأسدي الذي كان صديقا لأبي الطفيل ولكثير أستوهبه إياه فوهبه له ( 3 ) ومما يدل على خزاعيته أيضا قول خالد بن صفوان لهشام بن عبد الملك : أنت والله كما قال أخو خزاعة ، واستشهد بأبيات لكثير ( 4 ) كما أنه عندما سمع بمقتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وجماعة من أهل بيته بكى وأسف وترحم واعتذر عن هجائهم عندما أمره به يزيد بن عبد الملك . بل قام بين يديه ليشفع لمن بقي منهم عندما أتي بهم ليضرب أعناقهم بأبيات كلها نخوة ومروءة . قال حفص الأموي : كنت اختلف إلى كثير أتروى شعره . فوالله إني لعنده يوما إذ وقف عليه واقف فقال : قتل آل المهلب بالعقر - وكانوا يكثرون الإحسان اليه - فقال ما أجل الخطب ! ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر . وانتضحت عيناه باكيا . فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به فلما دخل عليه قال : عليك لعنة الله أترابية ( نسبة إلى أبي تراب وهو اللقب الذي أطلقه الأمويون على الإمام علي ع وفيها إشارة إلى تشيع الشاعر ) وعصبية وجعل يضحك منه ( 5 ) وفي هذا تأكيد لانتساب الشاعر إلى خزاعة وهي قبيلة عرفت بتشيعها منذ ظهور الإسلام . نشأته وحياته ولد كثير في عام 23 للهجرة في كلية ( 6 ) وهي قرية من قرى الحجاز بين مكة والمدينة . فنشأ فيها كما تنشأ لداته من فتيان العرب يسرحون لأهلهم بالإبل والغنم . وفي ذات يوم من أيام الصبا كان كثير يسوق جلب غنم يبحث عن الماء فقاده الظما إلى ينبوع الحب وملهمة الشعر إلى عزة ( 7 ) والثابت أن كثيرا تربى في كنف عمه ربما لأن أباه كان مدقعا عاجزا عن إعالته أو أن كثيرا لم يكن على وفاق مع أبيه إذ يروى ان أباه أصابته قرحة في إصبع من أصابع يده فقال له كثير أتدري لما أصابتك القرحة ؟ قال : لا . قال : مما ترفعها إلى الله في يمين كاذبة ! وخلاصة القول إن المعلومات عن طفولته وأسرته تجعل دراسة حياته غاية في الصعوبة لا سيما لجهة تبين المقومات والمؤثرات الأولى في تكوين شخصيته وكل ما تتيحه النتف الواردة في هذا الموضوع هو ان أباه لم يكن من علية القوم بل من سوادهم وأنه تربى في كنف عمه وليس في بيت أبويه ، وأن عمه كان بارا بربيبه فاشترى له قطعان الإبل والأغنام يتنقل بها بين البوادي والحواضر . فقد جاء في الأخبار ان عزة حاولت شراء جمل منه في المدينة ( 8 ) . ولكن الشاعر لم يمض حياته في رعاية المواشي والتجارة بها إذ ما لبث ان انتقل من بيع الإبل والغنم إلى العطارة حيث أصبح صاحب حانوت في
--> ( 1 ) روضات الجنات 1 : 509 . ( 2 ) الأغاني 9 : 3 . ( 3 ) م . ن : 11 - 13 . ( 4 ) أمالي المرتضى 2 : 261 . ( 5 ) الكامل في التاريخ 5 : 66 . ( 6 ) معجم ما استعجم 3 : 954 . ( 7 ) الأغاني 9 : 23 . ( 8 ) م . ن . : 31 .