حسن الأمين

154

مستدركات أعيان الشيعة

المدينة ، وبذلك عظم محل سديد الملك عنده حتى كان يشركه معه في الحكم . وعاد تاج الملوك صاحب حلب يكاتب سديد الملك ويطيب قلبه وهو لا يثق بذلك . ولجا إلى الاحتيال في استقدامه للفتك به ، فأوعز إلى كاتبه أبي النصر محمد بن الحسين أن يكتب اليه كتابا يشوقه فيه ويستعطفه ويستدعيه اليه . وفهم أبو النصر الغرض الحقيقي من ذلك الكتاب ، وكان صديقا لسديد الملك ، ولكنه كان مكرها على كتابة الكتاب فكتبه كما أمر به تاج الملوك حتى إذا بلغ قوله : « إن شاء الله تعالى » شدد النون في إن وفتحها فجعلها ( إن ) وأنفذ الكتاب . فلما وصل إلى سديد الملك قرأه ثم عرضه على ابن عمار صاحب طرابلس ومن في مجلسه من الخواص فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة تاج الملوك في سديد الملك وإيثاره قربه ، فقال سديد الملك : « إني أرى في الكتاب ما لا ترون » . ثم أجابه على الكتاب بما اقتضاه المقام وكتب في جملة ذلك : « أنا الخادم المقر بالأنعام » ، وكسر همزة أنا وشدد نونها فصارت « إنا » . فلما وصل الكتاب إلى تاج الملوك ووقف عليه أبو نصر الكاتب ، سر بما رأى فيه وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك . وكان أبو نصر قد قصد بتشديد نون ( إن ) الإشارة إلى الآية : * ( ( إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) ) * ، فأجابه سديد الملك بتشديد ( إنا ) إشارة إلى الآية : * ( ( إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ) ) * . ولما يئس تاج الملوك من عودة سديد الملك استولى على جميع ممتلكاته . وهناك حكاية أخرى تثبت ذكاء سديد الملك ومعرفته الواسعة باللغة والنحو ، فقد ذكر عنه أنه كان مع شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل على حصار حلب في سنة 472 ه‍ ، أيام صاحبها « سابق بن محمود » ، وكان الحصار قد طال حتى أن سديد الملك سئم ذلك وأراد أن ينفصل عن سور حلب وفيما هو يهم في ذلك إذ بصديق له من أهل الأدب يصل اليه وهو عند السور ، فقال له سديد الملك : « كيف أنتم » فقال الرجل : « طول جب » خوفا من تفسير الكلمة . فعاد سديد الملك وهو يقلب هذا الكلام فصح له أنه قصد بكلامه أنهم قد ضعفوا ، وأوجس أنهما كلمتان وأن قوله « طول » يريد به « مدا » و « جب » يرد به « بير » فقال : « مدا بير والله » . وأخبر شرف الدولة بذلك فتوطد العزم عنده على الاستمرار في الحصار حتى امتلك حلب ، وأقطع سابق بن محمود مواضع في أعمال الرحبة ، وعزم على الزواج من أخته بنت تاج الملوك فكان سديد الملك سفيرا بينهما وتم الأمر على يديه . ومكافأة له على موقفه ، فقد وعده شرف الدولة خيرا وقال له : « امض في دعة الله فانا سائر في بلادي ، ويجب أن تصلح حالك فانا أصل وأبلغك كل ما تؤثره » . ولكن هذا الوعد لم ينجز إذ دخل وزير شرف الدولة حلب وصادر أموالها وضاعف الخراج على أهلها ، فانتقل سديد الملك إلى قلعة الجسر وعمرها وأخذ يضايق شيزر وبها أسقف البارة وضيق عليه إلى أن راسله واشتراها منه ، واستحلفه على أشياء اشترطها عليه . وحول استيلاء سديد الملك على شيزر يذكر ابن الصابي أنه وقف على كتاب بخطه يقول فيه : « كتابي هذا من حصن شيزر ، وقد رزقني الله تعالى من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يتأت لمخلوق ، ومن دون هذا الحصن بيض الأنوق ، ومن وقف على حقيقة الحال علم أني هاروت . . . إنني أفرق بين المرء وزوجته ، وأستنزل القمر من محله ، وأجمع بين الذئب والغنم . إني نظرت إلى هذا الحصن ورأيت أمرا يذهل الألباب ويطيش العقول ، يشبع ألف رجل ليس عليه حصار ولا فيه حيلة لمحتال ، فعمدت إلى تل منه قريب يعرف بتل الحسن فعمرته حصنا وجعلت فيه عشيرتي وأهلي ، وكان بين التل وشيزر حصن يعرف بالخراص فوثبت عليه وأخذته بالسيف ، وحين ملكته أحسنت إلى أهله ولم أكلفهم إلى ما يعجزون عنه ، وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بأصوات المؤذنين عندي ، وصرنا مثل الأهل مختلطين . فحين رأى أهل شيزر فعلي من الروم آنسوا بي وصاروا يجيئوني من واحد واثنين إلى أن حصل عندي نحو نصفهم ، فأجريت عليهم الجرايات ومزجتهم باهلي وحريمهم بحريمي وأولادهم مع أولادي ، وأي من قصد حصنهم أعنتهم عليه . وحصرهم شرف الدولة مسلم بن قريش فاخذ منهم عشرين رجلا فقتلهم ، فدسست إليهم عشرين عوضهم ، ولما انصرف عنهم جاؤوا وقالوا : نسلم إليك الحصن . فقلت : لا ، ما لهذا الموضوع خيرا منكم . وجرت بينهم وبين واليهم نبوة فنفروا منه وجاؤا إلي وقالوا : لا بد إليك . فسلموه ونزلوا منه وحصلت فيه ومعي سبعمائة رجل من بني عمي ورجالي وحصلوا في الربض ولم يأخذ لواحد منهم درهم فرد ، وأعطيتهم مالا له قدر ، وخلعت على مقدميهم وأعطيتهم واجباتهم بستة أشهر ، وقمت باعيادهم ونواقيسهم وصلبانهم وخنازيرهم . وسمع بذلك أهل برزية وعين تاب وحصون الروم فجاءتني رسلهم ورغب كلهم في التسليم إلي . فبينما أنا على ذلك الحال إذ شنت علي الغارات وجيشت نحوي الجيوش من ناحية مسلم بن قريش غيظا منه لم تسلمت حصن شيزر بعد أن حلف لي قبل ذلك إنني إذا أخذت حصن شيزر أنه لا يقود إلي فرسا ولا يبعث جيشا ، وبالله أقسم لئن لم ينته عني لأعيده إلى الروم ولا أسلمه اليه ولا إلى غيره أبدا » . وكان أخذ سديد الملك لشيزر في ليلة الأحد منتصف شهر رجب سنة 474 ه‍ ، ووفى للأسقف بكل ما عاهده عليه ، فثقل ذلك على شرف الدولة وداخله الحسد وسير اليه جيشا لينتزع شيزر منه ، ثم جاءها بنفسه في آخر المحرم سنة 475 ه‍ ، ولكن سديد الملك صرفه عنها بعد أن حمل اليه مالا . وفي نزول شرف الدولة مسلم على شيزر وقتاله حصن الجسر يقول ابن المهذب المعري : أمسلم لا سلمت من حادث الردى وزرت وزيرا ما شددت به أزرا ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ من الله والناس المذمة والوزرا فمت كمدا « فالجسر » لست بجاسر عليه ، وعاين شيزرا أبدا شزرا وهكذا أسس سديد الملك إمارة بني منقذ في شيزر حتى توفي بين سنتي 475 و 479 ه‍ . كان سديد الملك حسبما وصفه « العماد الأصبهاني » في « الخريدة » : « من الطبقة الأولى ، جد الجماعة ، موفور الطاعة ، أحكم أساس مجده وشادها ، وفضل أمراء ديار بكر والشام وسادها ، ذو المجد الباذخ ، والجد الشامخ ، والمحتد الراسخ ، والفطنة واللسن ، والمنظر الحسن ، والنظم الذي هو ألذ عند المسهد من لذيذ الوسن ، وهو من جلالته في النفوس ، ومنزلته عند الرئيس والمرؤس ، ممدوح فحول الشعراء ومنهم ابن حيوس . . فالأمير أبو الحسن علي ، له فضل جلي ، وشعر كأنه في نضارته حلي ، وهو وفي بعلمه ملي ، قديم العصر من الطبقة الأولى ، لكن رأيت ذكر مثله أولى ، فأدبه في سوق الفضائل أروج وأغلى ، ونسبه عند الأفاضل أبهج وأعلى ، وسأورد من شعره ما سددت عليه يدي ، وهو منتقحي ومنتقاي ومنتقدي . . » . من شعره قوله : ما ذا النجيع بوجنتيك وليس من شدخ الأنوف على الخدود رعاف