حسن الأمين
143
مستدركات أعيان الشيعة
ووصفه العماد الأصفهاني الكاتب في « خريدة القصر - قسم شعراء الشام ص 82 » ، بأنه من الملوك الذين « يتفرغون للكتب ، ويتشاغلون بالأدب ويؤثرون مجالسة العلماء على منادمة الأمراء ، ويقولون الأبيات فيما يعرض لهم من الحالات ، ويتفق لهم من التشبيهات » . ورغم ما قيل عن وجه سيف الدولة الأدبي ، فان الكتب القديمة تعرض عن رواية شعرة أو طرف منه . وإن كانا نذكر المتقدمين بفضل فإننا نخص به أبا منصور الثعالبي ، أنه أورد لنا طرفا من أشعار سيف الدولة ، وبعضا من مواقفه النقدية ، نقل عنه ابن خلكان ، وعلق على بعض الأشعار . أما كتابنا المحدثون فقد تناقلوا كلام القدماء عن شاعرية سيف الدولة وروحه النقدية ، دون أن يوردوا شيئا من شعره ، وإن أشاروا إلى بعض مواقفه النقدية ، كما فعل الدكتور محمود السمرة في كتابه « القاضي الجرجاني » ( ص 56 - 60 ) . سيف الدولة الشاعر انفرد أبو منصور الثعالبي في يتيمته - فيما وقع لدينا - بإيراد متفرقات من شعر سيف الدولة نوردها فيما يلي : يقول الثعالبي : ومما أنشدني أبو الحسن أحمد الإفريقي المتيم الشاعر لسيف الدولة في وصف قوس قزح ، وهو من أحسن ما سمعت فيه على كثرته : وساق صبيح للصبوح دعوته فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كانجم فمن بين منقض علينا ومنفض وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا على الجور كنا والحواشي على الأرض يطرزها قوس الغمام بأصفر على أحمر في أخضر إثر مبيض كاذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض ويعلق الثعالبي على هذه الأبيات بقوله : « وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها السوقة » . أما ابن خلكان فيعلق بقوله : « وقيل إن هذه الأبيات لأبي الصقر القبيصي ، وقيل إنها لعبد الصمد بن المعذل » ( وفيات الأعيان 3 / 79 ) . ويذكر الدكتور شوقي ضيف في حاشيته على كتاب جرجي زيدان « تاريخ آداب اللغة العربية » ( 2 / 66 ) ان هذه الأبيات لابن الرومي وهي موجودة في ديوانه . كما يثبتها لابن الرومي أيضا الأستاذ إيلي حاوي في حاشيته على اليتيمة 1 / 52 . ولعل هذا يلقي ضوءا على كلام الثعالبي ، فهو بعد أن قال عن هذه الأبيات بأنها أحسن ما سمع يعقب بتعليق قاس ، وكأنه يعرض بابن الرومي الذي لا يستطيع وصف الأشياء كما يصفها الملوك ، ولست أدري أين هذا الوصف الملوكي في الأبيات ، وأرى ان ابن الرومي لا يعجز عن مثلها ، يؤيد هذا ما أورده ابن رشيق القيرواني في ( العمدة 2 / 225 ) قال : « حكي أن لائما لام ابن الرومي وقال له : لم لا تشبه تشبيهات ابن المعتز وأنت أشعر منه ؟ فقال له : ألا تنشدني شيئا من قوله الذي استعجز عن مثله ؟ فأنشده قوله في الهلال وفي الآذريون ( زهر أصفر في وسطه خمل أسود ) ، فصاح ابن الرومي : وا غوثاه ، تالله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، انظر اين يقع قولي من قول الناس ، هل لأحد قول مثل قولي في قوس الغمام ؟ . « وساق صبيح للصبوح دعوته » . ورغم أن هذه الرواية محاطة بالشك والتساؤل ، إلا أن الأبيات أقرب في روحها إلى ابن الرومي منها إلى سيف الدولة ، لابداع ابن الرومي في الوصف والتشبيهات ، بل له ما يفوقها جمالا وبلاغة . ومن شعر سيف الدولة في صباه هذه الأبيات الرقيقة في الغزل : أقبله على جزع كشرب الطائر الفزع رأى ماء فاطمعه وخاف عواقب الطمع وصادف فرصة فدنا ولم يلتذ بالجرع ويحكى أنه كان لسيف الدولة جارية من بنات ملوك الروم ، لا يرى الدنيا إلا بها ، ويشفق من الريح الهابة عليها ، فحسدتها حظاياه على لطف محلها منه ، وأزمعن إيقاع مكروه بها من سم أو غيره . وبلغ سيف الدولة ذلك فأمر بنقلها إلى بعض الحصون احتياطا على روحها وقال : راقبتني العيون فيك ، فأشفقت ولم أخل قط من إشفاق ورأيت العذول يحسدني فيك مجدا ، يا أنفس الأعلاق فتمنيت أن تكوني بعيدا والذي بيننا من الود باق رب هجر يكون من خوف هجر وفراق يكون خوف فراق وهي أبيات متكلفة تخلو من عاطفة الحب المشبوبة التي صورتها الرواية لهذه الجارية ، ولا نرى فيها مضمون الرواية أيضا ، وقد قال ابن خلكان في ( وفيات الأعيان 3 / 80 ) بأنه رأى هذه الأبيات في ديوان عبد المحسن الصوري . وهي تنافي الحس المرهف الذي يتمته به سيف الدولة . ومن غزليات سيف الدولة ، ما أنشده ابن خالويه : تجنى علي الذنب والذنب ذنبه وعاتبني ظلما وفي نفسه العتب وأعرض لما صار قلبي بكفه فهلا جفاني حين كان لي القلب ؟ إذا برم المولى بخدمة عبده تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب وله في الغزل أبيات أخرى رقيقة جميلة مع سهولتها : قد جرى في دمعة دمه فإلى كم أنت تظلمه رد عنه الطرف منك ، فقد جرحته منه أسهمه كيف يستطيع التجلد من خطرات الوهم تؤلمه ؟ في المدح ومن الغزل ننتقل إلى المدح لنرى ان مدح سيف الدولة لا يكون إلا لمن هو في منزلته ومكانته ، والأبيات التالية قالها في أخيه ناصر الدولة ( صاحب الموصل ) ، ( اليتيمة 1 / 55 - البداية والنهاية لابن كثير 11 / 263 ) : رضيت لك العليا ، وقد كنت أهلها وقلت لهم : بيني وبين أخي فرق ولم يك بي عنها نكول وإنما تجافيت عن حقي ، فتم لك الحق ولا بد لي من أن أكون مصليا إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق في الوصف وأما الوصف فلسيف الدولة بيتان في وصف نار الكانون : ( 1 / 55 ) كأنما النار والرماد معا وضوءها في ظلام يحجب وجنة عذراء مسها خجل فاستترت تحت عنبر أشهب وهما من أجمل ما قيل في وصف النار عندما يغطيها الرماد . وروى لنا القزويني في كتابه « آثار البلاد وأخبار العباد » ( ص 393 - 394 ) ثلاثة أبيات من الشعر مكتوبة على جدار قصر عباس بن