حسن الأمين

141

مستدركات أعيان الشيعة

من نسل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود . ويؤيد هذا الزعم ما يذكره المسعودي نفسه في كتابه « مروج الذهب ومعادن الجوهر » ، حيث يعدد أوصاف الأقاليم المختلفة فيقول : « وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به ، وانك أنت الأيام انات بيننا وبينه ، وساحقت مسافتنا عنه ، وولدت في قلوبنا الحنين اليه ، إذ كان وطننا ومسقطنا ، وهو إقليم بابل ، وقد كان هذا الإقليم عند ملوك الفرس جليلا وقدره عظيما » وهكذا يمكننا ان نقول في تحديدنا لمكان ولادته انه أبصر النور في بغداد ، مسقط رأسه ومستقر آله وذويه من نسل صاحب رسول الله عبد الله بن مسعود . اما زمان ولادته فتهمله المصادر التي بين أيدينا ولا تتعرض له بذكر ، وهذا امر طبيعي ، أن أحدا لم يكن يتوقع له الشهرة وذيوع الصيت حين ولد ، ولكنه حين نبغ واحتل بين رجال عصره مكانا مرموقا سلطت الأنوار عليه وتناقلت اسمه الألسن ، فحرص رجال التراجم على تدوين سنة وفاته . والمصادر ، الا بعضها القليل ، تجمع على أن وفاته كانت في العام 346 للهجرة ، كما أن في بعضها ما يدل على أنه دخل الحياة العامة وأخذ يجول الأقطار طلبا للعلم والمعرفة في مطلع القرن الرابع للهجرة . وهذا وان كان لا يرشد إلى سنة مولده الحقيقية فإنه يسمح لنا بالاعتقاد بأنه ولد في أخريات القرن الثالث الهجري ، وانه لم يعل له ذكر ، الا منذ مطلع القرن الرابع ، ولذا فهو بعد من مؤرخي هذا القرن الأخير . وقد أحب المسعودي الأسفار منذ شبابه ، فسافر سنة 305 إلى إصطخر في فارس وزار في السنة التي تلت بعض مناطق الهند وسيلان وبلاد سيمور ، وانضم إلى فريق من التجار في رحلة في بحر الصين وعبر البحر الأحمر وزار مدغشقر كما زار زنجبار وعمان . وحوالي سنة 314 نجده يجوب بحر الخزر ( بحر قزوين ) ومناطقه وينتقل بعدها لزيارة طبريا وفلسطين . وقد قام في سنة 332 بزيارة لأنطاكية . وبعض مدن الحدود السورية . واستغرقت زيارته لهذه المناطق مدة سنتين أقام أثناءها في بعض مدن الثغور الشامية والبصرة ، حتى كان العام 334 فتوجه إلى دمشق وأمضى فيها بعض الوقت . وانتقل منها إلى مصر ليعيش متنقلا بينها وبين سوريا حتى آخر حياته . وقد توفي سنة 346 وهو مقيم في الفسطاط بمصر . وقد دفع المسعودي للقيام بهذه الرحلات الطويلة المتنائية حبه للعلم ورغبته في طلبه والاستزادة منه . فهو بهذا يشبه المقدسي والبيروني . وقد أتاحت له هذه الأسفار أن يغنى بمعارفه الجغرافية والتاريخية والاجتماعية وان يتعرف على لغت وعادات وتقاليد وأخلاق وسياسات الأمم المختلفة التي زارها . وهو في جمعه بين المعرفة الجغرافية الواسعة بنتيجة الرحلات ، والأسفار ، وشغفه بالحقيقة التاريخية والأخبار بوجه عام ، يلتقي بهيرودوت أبي التاريخ عند اليونان ، فكلاهما رحالة زار البلاد وجاب الأقطار ، وكلاهما جمع أخبار الأمم التي زارها . وكلاهما مزج بين التاريخ والجغرافية في مؤلفاته . وقد دعا هذا بحق المستشرق فون كريمر VonKrameR أن يشير إلى المسعودي في كتابه « تاريخ الثقافة في الشرق » باسم هيرودوت العرب . يأخذ البعض على المسعودي انه لم يكن يتمتع دوما بالروح العلمية العميقة ، وانه كان في بعض الأحيان سطحيا يقبل الخرافات والأساطير ويسردها في كتبه كما تصل اليه دونما تمحيص أو نقد . ولكن المستشرق سيديو Sedillot لا يعتبر هذا عيبا في المسعودي بل يرجعه إلى روح حب الاطلاع النامية عنده فيقول : « ولا نخشى التكذيب إذا قلنا إنه ألم يظهر بين العرب مؤرخ بلغ من الفضل الشامل ما بلغه المسعودي ، وإذا كنا نراه محتاجا إلى روح النقد أحيانا فلنذكر ان حب الاطلاع الشديد فيه حفزه إلى زيارة الأماكن التي أراد الوقوف على تاريخها فكان يساق إلى نقل قصص ذات أصل مشكوك فيه » . والمسعودي موسوعي لا يؤمن بالموضوع الواحد ولا يقنعه الاختصاص الضيق فيما يكتب . وإذا كان لهذا النهج مساوئه فهو لا يخلو من محاسن تدل على سعة أفق المؤلف وشمول نظراته وتعدد جوانب ثقافته . ويحدثنا هو عن تنوع الموضوعات التي يضمها المؤلف الواحد من مؤلفاته فيقول في الباب الذي يذكر فيه جوامع أغراض كتاب المسمى « مروج الذهب ومعادن الجوهر » ما يلي ، مما يستدل منه على تشميله هذا الكتاب أبحاثا في التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد والأخلاق والأدب وأخبار الملوك وسياستهم وغير ذلك . يقول المسعودي : « اما بعد اننا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان ، وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض ومدنها وعجائبها وبحارها وأغوارها ، وجبالها وأنهارها ، وبدائع معادنها . . . ثم اتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة والأمم الدائرة . . ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ ومن درج في السنيين الماضية . . . ونعتذر عن تقصير إن كان ، ونتنصل من إغفال ، أو عرض لما قد شاب خواطرنا ، وغمر قلوبنا ، من تقاذف الأسفار وقطع القفار ، تارة على متن البحر ، وتارة على ظهر البر ، مستعلمين بدائع الأمم بالمشاهدة ، عارفين خواص الأقاليم بالمعانية ، فتارة بأقصى خراسان ، وتارة بأواسط أرمينيا ، وأذربيجان ، وطورا بالعراق ، وطورا بالشام . . نسري في الآفاق سري الشمس في الإشراق . كما قال بعضهم : تيمم أقطار البلاد فتارة لدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب سرى الشمس لا ينفك تقذفه النوى إلى أفق ناء يقصر بالركب وفاوضنا أصناف الملوك على تغاير أخلاقهم وتباين هممهم ، وتباعد دارهم . . . . وهكذا يصنف لنا الموضوعات التي تطرق إلى بحثها في كتابه ، وينقلنا معه في أسفاره ، واصفا متاعبه في رحلاته ، واطلاعه الواسع على ما ألف من قبله ، ومعددا بعضا مما دبج قلمه من مؤلفات في التاريخ والجغرافيا وغيرها . وهو كغيره من المؤرخين العرب لا يتبع نظاما موحدا في عرض مادته . ونراه في كثير من الأحيان يخرج عن جادة الموضوع الأصلي ليذكر أشياء لا تمت إلى ما يبحث بصلة أو نسب . ولكنه يهتم ببحث جميع الأشياء التي يعتبرها المتعلم في عصره أساسية ، لذلك جاءت مؤلفاته جامعة لكثير من المعلومات المتشعبة المتفرعة . وهو يلتفت بشكل خاص إلى الأمور اجتماعية ، والدينية ، والعلمية التي تميز بها العرب قبل إسلامهم ، ويقارن بينهم وبين العجم وغيرهم من الأمم ، محاولا إظهار فضل العرب وتقدمهم . فتراه عند ذكر سير الملوك والخلفاء يستقصي أدق أخبارهم الخاصة فيدخل بيوتهم ويعيش معهم في مجالسهم ويصف ملامحهم وعاداتهم في المأكل والمشرب والملبس مما لا تجده عند غيره . وقل الأمر نفسه عن اهتمامه بما كانت عليه أمة العرب من معتقدات دينية ، وايمان بآلهة وأوثان ، وزجر للطير وسوانحه وبوارحه ، والكهانة والعرافة ، حتى يصل إلى علومهم ومجالس انسهم وقيانهم وآلات طربهم التي ضاع أغلبها ولم يصل إلينا منها الا القليل . ومن تصانيفه : مروج الذهب ومعادن الجوهر ، أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ، التنبيه والأشراف ، أخبار الخوارج ، ذخائر العلوم وما كان في سالف الدهور ، الرسائل ، الاستذكار بما مر في سالف الأعصار ، أخبار الأمم من العرب والعجم ، خزائن الملوك وسر العالمين ، المقالات في أصول الديانات ، البيان في أسماء الأئمة ، المسائل والعلل في المذاهب والملل ، الإبانة عن أصول الديانة ، سر الحياة ، الاستبصار في الإمامة ،