حسن الأمين

100

مستدركات أعيان الشيعة

ما زالت حتى يومنا تحتفظ برنينها المحزن ، وعبرتها المبكية ، قد نظمت عقب سقوط الأندلس النهائي رثاء لها ، وكنا صغارا نؤمن مثلهم بهذه النظرية ، ولكني حينما بدأت دراساتي الأندلسية ، منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وأخرجت أول طبعة من كتابي « نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين » كانت هذه السحب التي أسبلت على حقيقة رثاء الأندلس ، قد أخذت تتبدد ، وانتهيت في كتابي إلى تحديد الوضع التاريخي لهذه المرثية ، وبينت بالاستناد إلى نصوص ودلائل عديدة ، انها قد نظمت في فترة معينة من تاريخ الأندلس ، في العصر الذي عاش فيه ناظمها ، وهو عصر يسبق سقوط الأندلس النهائي بنحو قرنين . وقد خاطبني يومئذ صديق من كبار أدبائنا ، مبديا دهشته من هذا التحليل قائلا ، كيف انتهيت إلى ذلك ، ونحن نعتقد طول العمر ، أن مرثية الأندلس قد نظمت بعد السقوط وقد كان لهذا الصديق ، ومن كان يجاريه في اعتقاده بعض العذر ، لأن المقري مؤرخ الأندلس نفسه ، لم يستطع تحديد العصر الذي نظمت فيه القصيدة ، وكانت حسبما يبدو من بعض تعليقاته انها نظمت في عصر السقوط الأخير ، وقبل سقوط غرناطة . ولم يكن هذا الرثاء معروفا في الأوساط الأدبية والمشرقية ، قبل عصر المقري . ذلك ان المقري قد كتب ، حسبما نعرف ، كتابه الشهير « نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب » بمدينة القاهرة المعزية في سنة 1039 ه‍ ( 1630 م ) ، حيثما كان يقيم منذ مقدمه إليها من المغرب في سنة 1027 ه‍ ( 1617 م ) ، وعرفت منه قصيدة الرثاء يومئذ ، كما عرفت أشياء ونصوص كثيرة أخرى عن الأندلس ، وعن تاريخها وجغرافيتها وآدابها مما دونه في كتابه الجامع « نفح الطيب » . وقد استقى معظم ما دونه في كتابه من مصادر مغربية مما كانت تزخر به خزائن المغرب ، في فاس وتلمسان وبجاية والجزائر ، مما نقل إليها من آثار التراث الأندلسي في عصر السقوط ، أو حمله إليها المهاجرون بعد السقوط ، وقد حمل مسوداتها معه من المغرب إلى القاهرة ، وانتفع إلى جانبها بما كان مودعا في عصره من تراث الأدب الأندلسي والمغربي ، بمكتبة رواق المغاربة بالجامع الأزهر . وما تزال توجد بها إلى اليوم بعض أوراق مخطوطة تحمل تعليقات المقري وتوقيعاته . أما رثاء الأندلس فقد نقله المقري حسبما يقول لنا « من خط من يوثق به على ما كتبته » . وإذا كنا لا نعرف هذا الذي « يوثق به » فإنه قد نقل القصيدة على أرجح الفروض ، من أحد المصادر القليلة التي تسربت إليها ، مثل كتاب « الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية » وهو لمؤلف مجهول . ويبدو من اختتامه ان مؤلفه قد توفي في أواخر القرن السابع الهجري ، لأن حوادث الكتاب المعاصرة تقف عند سنة 674 ه‍ ، عند حادث بناء المدينة البيضاء أو البلد الجديد ، بناحية فاس على يد السلطان أبي يوسف المريني . هذا مع ملاحظة انه توجد بين النص الذي ورد في الذخيرة السنية والنص الذي نقله المقري ، بعض تغييرات يسيرة في بعض الشطرات ، وان نص القصيدة في الذخيرة السنية يحتوي على ثلاثة وأربعين بيتا بينما هو في نفح الطيب اثنان وأربعون ، هذا وقد نقل المقري القصيدة في نفس الوقت في كتابه « أزهار الرياض » بزيادة بيت واحد عنها في نفح الطيب . يأتي الحديث بعد ذلك عن ناظم هذه القصيدة الشهيرة ، وعن ظروف نظمها . وبالرغم مما هو معروف ومحقق من أن ناظمها هو صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن شريف النفزي ، المكنى بأبي الطيب الرندي ، المولود بمدينة رندة في سنة 601 هوالمتوفى بها سنة 684 ه‍ ، فإنه يوجد بعض الغموض حول ظروف نظم القصيدة ، وحول ظروف تداولها ، واختفائها من بين تراث ناظمها ، وعدم تداولها زهاء قرن من الزمان ، ولا سيما بالأندلس موطن ناظمها ، قبل ان تذاع في المغرب على يد المؤرخين المغاربة في أواخر القرن السابع الهجري . ويرجع هذا التساؤل إلى عدة أسباب ، أولها أن الوزير ابن الخطيب ، صاحب كتاب « الإحاطة في اخبار غرناطة » ، وقد عاش قريبا من عصر الرندي ، قد أورد له في « الإحاطة » ترجمة فياضة ، وأورد خلالها عدة من عيون قصائده ولكنه لم يورد إلى جانبها شيئا من قصيدة رثاء الأندلس ، بل ولم يشر إليها بكلمة واحدة ، مع أنها من أبلغ وأروع القصائد التي نظمها الرندي . وثانيها ، ان الرندي نفسه لم يشر إلى قصيدته ولم ينشر منها شيئا في كتابه « الوافي في نظم القوافي » ، الذي يتحدث فيه عن الشعر وفضله وآدابه وأغراضه ، ويورد فيه عدة من قصائده ومنها قصيدتان في الرثاء ، أولاها رثاء لأمير المسلمين ابن الأحمر ، وثانيتهما قصيدة في رثاء أبيه ( 1 ) وثالثتها ، ان القصيدة لم تظهر في تراث الأدب الأندلسي خلال العصر الغرناطي كله ، من بدايته في أواخر القرن السابع الهجري ، حتى نهايته في أواخر القرن التاسع ، بالرغم من ظهور قصائد أخرى في رثاء الأندلس أو بعض قواعدها الذاهبة أقل روعة ورنينا من مرثية أبي الطيب الرندي . ومن ثم فإنه يتعين علينا أن نتساءل حن أسباب هذا الغموض الذي يحيط بمرثية الأندلس ، والتي قضت باحتجابها عصورا من بين أعيان روائع المراثي الأندلسية التي ظهرت خلال العصر الغرناطي ذاته ، ومن بعد ذلك حتى السقوط النهائي ، وعلينا أن نتقصى أسباب هذا الغموض في حياة ناظمها أبي الطيب ذاته ، وفي الظروف التي أحاطت به في الفترة التي عاش فيها . لقد عاش الرندي في عصر الفتنة الكبرى ، التي اضطرمت بها الأندلس في أواسط القرن السابع الهجري ، والتي تمخضت عن سقوط القواعد الأندلسية الكبرى في أيدي النصارى ، وتمخضت في الوقت نفسه عن قيام مملكة غرناطة . وكان الرندي شاعرا وكاتبا عظيما ، بارعا في النثر والنظم معا ، وله مقامات بديعة في أغراض شتى . ويصفه القاضي ابن عبد الملك في « التكملة » بأنه « خاتمة أدباء الأندلس » وكان كثير الوفود من بلده رندة على الحاضرة غرناطة ، والتردد إلى بلاطها . وكان من خاصة المقربين إلى الغالب بالله ، السلطان محمد بن الأحمر الكبير مؤسس مملكة غرناطة وشاعره الأثير . وكان الغالب بالله يطرب لشعره ، ويغمره بعطفه وتكريمه . ومن أشهر قصائده في مدح السلطان المذكور ، قصيدته التي مطلعها : سرى والحب أمر لا يرام وقد أغرى به الشوق الغرام وأغفى أهلها الا وشاة إذا نام الحوادث لا تنام وكتب الرندي برسم السلطان كتابه المسمى « روضة الأنس ونزهة النفس » . ونثره لا يقل روعة عن شعره . ونحن نعرف ان ابن الأحمر الكبير ، كان بالرغم من عبقريته وشجاعته وعزمه ، وهي التي تمخضت عن ظفره بإنشاء مملكة غرناطة من غمر التمزق والفوضى ، كان يعيش في دوامة من الصعاب السياسية والعسكرية ، ويخشى على مملكته الفتية الناشئة من عدوان قشتالة وأطماعها . وكانت حركة الاسترداد الإسبانية LaReconquistA بعد الاستيلاء على قواعد الأندلس الكبرى : قرطبة ، بلنسية ، مرسية ، شاطبة ، جيان ، إشبيلية في نحو خمسة عشر عاما فقط 633 - 646 ه‍ ( 1236 - 1248 م ) تندفع بعنف نحو الاستيلاء على قواعد وأراض جديدة . ولم يكن أمامها من القوى الأندلسية المتماسكة سوى مملكة غرناطة الناشئة ، التي اجتمعت حولها أشلاء

--> ( 1 ) توجد عدة نسخ مخطوطة من كتاب « الوافي » بدار الكتب العامة بالرباط ، وقد اعتمدنا فيها على مراجعة النسخة رقم ( 1730 ك ) ولم ينشر الكتاب حتى الآن .